بيروت – ريما لمع بزيع
تنشط في شهر أكتوبر حملات التوعية بسرطان الثدي، وتسليط الضوء على أبرز العلاجات لإعطاء الأمل للمصابات بغدٍ أفضل، وفي إطار جهوده المستمرة لتعزيز الوعي بسرطان الثدي وأهمية الكشف المبكر، نظّم مستشفى المشرق لقاءً توعوياً جمع طبيبات، بحضور الدكتورة ديودا معصراني، اختصاصية جراحة التجميل والترميم، بهدف تسليط الضوء على أهمية الفحوص الدورية، والتعرّف إلى التغييرات التي تستدعي استشارة الطبيب، وتعزيز ثقافة الوقاية والكشف المبكر.
وشكّل اللقاء مساحة لتبادل الخبرات بين الطبيبات، والتأكيد على دور التعاون بين الاختصاصات الطبية والإعلام في نشر المعلومات الصحية الموثوقة وتشجيع النساء على الاهتمام بصحتهن. كما شارك في اللقاء عدد من أهل الصحافة والإعلام، بحضور صاحب مستشفى المشرق، الدكتور أنطوان معلوف، تأكيداً على أهمية الشراكة بين القطاع الطبي والإعلام في إيصال الرسائل التوعوية إلى أوسع شريحة ممكنة.
ولا تقتصر رحلة التعافي من سرطان الثدي على العلاج واستئصال الورم، بل تمتد لتشمل الجوانب النفسية والجسدية التي تؤثر في حياة المرأة وصورتها عن نفسها. وفي هذا السياق، تبرز جراحة ترميم الثدي بوصفها أحد الخيارات التي يمكن أن تساعد المرأة على استعادة شكل الثدي وتعزيز ثقتها بنفسها بعد الجراحة.
في هذه المقابلة، تشرح الدكتورة ديودا معصراني أهمية ترميم الثدي بعد استئصال الورم أو الثدي، وتستعرض أبرز التقنيات المتاحة، من الحشوات السيليكونية إلى إعادة البناء باستخدام أنسجة المريضة نفسها وحقن الدهون، فضلاً على إعادة تكوين الحلمة والهالة المحيطة بها.

الدكتورة ديودا معصراني
كيف تنظرين إلى أهمية ترميم الثدي بعد الإصابة بسرطان الثدي واستئصال الورم أو الثدي؟
أؤكد دائماً أن ترميم الثدي ليس رفاهية أو مجرد إجراء تجميلي، بل يمكن أن يشكّل مرحلة مهمة من رحلة التعافي، لما له من أثر في استعادة المرأة ثقتها بنفسها وصورتها عن أنوثتها. فمريضة سرطان الثدي تخوض رحلة طويلة وصعبة، تتخللها تحديات جسدية ونفسية عديدة، ومن المهم ألا نضيف إلى معاناتها أعباءً يمكن التخفيف منها.
عندما تشعر المرأة بأنها قادرة على استعادة مظهرها والاحتفاظ بإحساسها بأنوثتها، فقد ينعكس ذلك إيجاباً على معنوياتها وقدرتها على مواجهة المرض وتحديات الحياة. فالاهتمام بالنفس ليس أمراً ثانوياً، بل قد يكون جزءاً من عملية استعادة التوازن النفسي، بما يساعد المرأة على مواصلة حياتها والقيام بمسؤولياتها العائلية والاجتماعية.
هل يمكن البدء بترميم الثدي مباشرة بعد استئصال الورم أو الثدي؟
نعم، يمكن في حالات محددة إجراء الترميم بالتزامن مع جراحة استئصال الورم أو الثدي، وهو ما يُعرف بالترميم الفوري، كما يمكن تأجيله إلى مرحلة لاحقة، وفقاً لحالة المريضة وخطتها العلاجية. ويُحدَّد الخيار الأنسب بالتنسيق بين الفريق الطبي المعالج، ولا سيما جرّاح الثدي وجرّاح الترميم واختصاصيي الأورام، مع مراعاة الحاجة إلى العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، إن وُجدت.
وقد أتاحت التقنيات الحديثة خيارات متعددة لإعادة بناء الثدي، ما يسمح بتصميم خطة علاجية تتناسب مع احتياجات كل مريضة وحالتها الصحية وتوقعاتها.
ما أبرز تقنيات ترميم الثدي أو الخيارات المتاحة اليوم لإعادة بناء الثدي بعد الجراحة؟
يمكن تصنيف تقنيات ترميم الثدي ضمن فئتين رئيسيتين: الترميم باستخدام الحشوات، والترميم باستخدام أنسجة المريضة نفسها، المعروف باسم Autologous Breast Reconstruction .
في الخيار الأول، يمكن استخدام حشوة سيليكون جاهزة، أو اللجوء إلى موسّع الأنسجة، المعروف باسم Tissue Expander. وهو عبارة عن بالون طبي يُوضَع تحت الجلد أو العضلة، وفقاً للخطة الجراحية، ويُملأ تدريجياً بمحلول ملحي حتى الوصول إلى الحجم المطلوب. وبعد اكتمال التوسيع، يمكن استبداله بحشوة سيليكون دائمة.
أما الخيار الثاني، فيعتمد على استخدام أنسجة مأخوذة من جسم المريضة نفسها لإعادة بناء الثدي. وتُستخرج هذه الأنسجة من مناطق مثل البطن أو الظهر أو الفخذ، بحسب الحالة والتقنية المستخدمة، ثم تُنقل إلى منطقة الثدي لإعادة تكوين حجمه وشكله.
وتُعدّ هذه الجراحة من العمليات المتقدمة التي تتطلب فريقاً جراحياً مدرّباً، وتجهيزات طبية متخصصة، ولا سيما عند استخدام تقنيات نقل الأنسجة مع إعادة توصيل الأوعية الدموية الدقيقة بواسطة الجراحة المجهرية. كما تحتاج المريضة إلى متابعة دقيقة بعد العملية للتأكد من سلامة التروية الدموية للأنسجة المزروعة.
ما الذي يميّز الترميم باستخدام أنسجة المريضة نفسها عن الترميم بالحشوات؟
لعل أبرز مزايا الترميم باستخدام أنسجة المريضة نفسها هو أنه قد يمنح الثدي ملمساً وحركة أكثر طبيعية، لأنه يعتمد على أنسجة حيّة من جسم المرأة، بدلاً من الاعتماد حصراً على حشوة صناعية.
وتكتسب هذه التقنية أهمية خاصة لدى بعض المريضات اللواتي يحتجن إلى العلاج الإشعاعي، إذ قد تتأثر حشوات السيليكون والأنسجة المحيطة بها بالتغييرات التي يسببها الإشعاع، وقد يحدث تليّف أو تقلّص في المحفظة المحيطة بالحشوة، ما يؤثر في شكل الثدي وملمسه. كذلك، قد تتأثر نوعية الجلد والأنسجة المحيطة.
أما الأنسجة المنقولة من جسم المريضة، فقد توفر خياراً مناسباً في بعض هذه الحالات، لكن اختيار التقنية لا يعتمد على العلاج الإشعاعي وحده، بل يتطلب تقييماً فردياً يأخذ في الاعتبار حالة الجلد، وتوافر الأنسجة، والوضع الصحي العام، والخطة العلاجية الكاملة.
وبعد إعادة بناء الثدي باستخدام الأنسجة الذاتية، يمكن في بعض الحالات الاستعانة بحشوة صغيرة أو بحقن الدهون، المعروف باسم Lipofilling، لتحسين الحجم والشكل والتناسق والوصول إلى النتيجة المرجوة.
ما دور «حقن الدهون الذاتية» في ترميم الثدي؟

ترميم الثدي يُعيد الثقة الى الناجيات من سرطان الثدي
يمكن استخدام الدهون المستخرجة من جسم المريضة نفسها لتحسين شكل الثدي وملمسه، سواء بوصفها إجراءً مكمّلاً للترميم بالحشوات أو بالأنسجة الذاتية، أو في حالات مختارة يمكن فيها الاعتماد عليها وحدها لتحقيق زيادة محدودة في الحجم.
ويعتمد هذا الخيار على شفط الدهون من منطقة مناسبة في الجسم، ثم معالجتها وحقنها في الثدي بكميات مدروسة. وقد يساعد ذلك على تحسين نوعية الجلد وتخفيف بعض التفاوتات في الشكل، ولا سيما بعد الجراحة أو العلاج الإشعاعي.
لكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة قد يستلزم عدة جلسات، لأن جزءاً من الدهون المحقونة قد يُمتص تدريجياً. كما أن استخدام الدهون وحدها لا يناسب جميع الحالات، إذ يتوقف القرار على حجم الثدي الأصلي، وكمية الأنسجة المتبقية، وحالة الجلد، والنتيجة التي تسعى المريضة إلى تحقيقها.
كيف تتم إعادة تكوين الحلمة والهالة المحيطة بها؟
قد يشمل الترميم أيضاً إعادة تكوين الحلمة والهالة المحيطة بها، وهما عنصران مهمان في استعادة المظهر الطبيعي للثدي.
ويمكن إعادة بناء الحلمة باستخدام تقنيات جراحية تعتمد على تشكيل أنسجة الجلد المتاحة وإعطائها الشكل المناسب، وفقاً لحالة المريضة والنتيجة المطلوبة. أما الهالة المحيطة بالحلمة، فيمكن إعادة تحديد لونها ورسمها باستخدام تقنيات الوشم الطبي أو التصبغ التجميلي المتخصص.
وتساعد هذه الإجراءات، عند ملاءمتها للحالة، على استكمال النتيجة الجمالية للترميم، مع ضرورة توضيح حدود النتائج المتوقعة للمريضة قبل اتخاذ القرار.
هل هناك عمر محدد لإجراء ترميم الثدي؟
لا يرتبط ترميم الثدي بعمر واحد محدد، إذ يمكن النظر في إجرائه لمريضات من أعمار مختلفة، شرط أن تسمح الحالة الصحية بذلك وأن تكون هناك ملاءمة طبية وجراحية. وتُحدَّد الخيارات والتوقيت وفقاً لاحتياجات المريضة وخطتها العلاجية، مع شرح فوائد كل تقنية ومخاطرها والنتائج المتوقعة.
فالهدف ليس استعادة الشكل الخارجي فحسب، بل مساعدة المرأة على استعادة شعورها بالراحة والثقة بنفسها، ودعمها في مواصلة حياتها بعد تجربة المرض.
ما الرسالة التي توجهينها إلى النساء المصابات بسرطان الثدي؟

الدكتورمعلوف يتوسط الطبيبات خلال اللقاء التوعوي
أدعو كل امرأة إلى الاهتمام بصحتها وعدم إهمال الفحوص الدورية، ومراجعة الطبيب عند ملاحظة أي تغيير يستدعي التقييم. فالكشف المبكر يتيح اكتشاف المرض في مراحل أبكر، وقد يوسّع الخيارات العلاجية المتاحة.
وأقول لكل امرأة تخوض تجربة سرطان الثدي إن رحلة العلاج لا تختصرها الجراحة وحدها، وإن التعافي يشمل أيضاً احتياجاتها النفسية والجسدية. ومن المهم أن تعرف أن خيارات ترميم الثدي أصبحت متعددة، وأن من حقها مناقشة هذه الخيارات مع فريقها الطبي، والتعرّف إلى ما يناسبها من دون الشعور بالضغط أو الذنب.
فلكل امرأة ظروفها واحتياجاتها، والقرار الأفضل هو الذي يجمع بين السلامة الطبية، والتوقعات الواقعية، والراحة النفسية، ويضع صحة المريضة وجودة حياتها في المقام الأول.









