بيروت_ ريما لمع بزيع
هناك لحظات في الحياة نشعر فيها بأننا عالقون. نستيقظ من دون حماس، نمرّ بأيامنا وكأننا نؤدي واجباتنا فقط، ونشعر بأن السعادة أصبحت شيئاً بعيداً عنّا. أحياناً يكون السبب واضحاً: خسارة، علاقة انتهت، ضغط مادي، مشكلة صحية أو تجربة مؤلمة. وأحياناً لا نستطيع حتى أن نفهم لماذا نشعر بهذا الثقل.
لكن الشعور بالحزن أو اليأس لا يعني أن حياتك انتهت، ولا يعني أنك محكوم بالبقاء في المكان نفسه. أحياناً تكون هذه المشاعر رسالة تخبرك بأن شيئاً في داخلك يحتاج إلى التغيير، أو الاهتمام، أو الاستماع إليه.
اختصاصية علم النفس فانيسا حداد تؤكد في هذا الإطار على أن التغيير الحقيقي لا يبدأ عندما تصبح حياتك مثالية، بل عندما تقرر أن تبدأ من المكان الذي أنت فيه الآن.

اختصاصية علم النفس فانيسا حداد
ابدأ بالتوقف عن محاربة مشاعرك
أول خطوة نحو حياة أكثر سلاماً هي أن تسمح لنفسك بأن تشعر. لا تحتاج إلى أن تكون إيجابياً طوال الوقت، ولا أن تقنع نفسك بأن كل شيء بخير بينما أنت تتألم.
قل لنفسك: أنا حزين الآن، وهذا الشعور مسموح. لكن هذا الشعور ليس هويتي، ولن يبقى إلى الأبد.
المشاعر تتغير. حتى أكثر اللحظات قسوة تمرّ. عندما نتوقف عن مقاومة مشاعرنا ونبدأ بالاستماع إليها، نستطيع أن نفهم ما الذي تحتاج إليه حياتنا فعلاً.
اسأل نفسك: ما الذي لم يعد يناسبني؟
في كثير من الأحيان، لا نحتاج إلى إضافة المزيد إلى حياتنا، بل إلى إزالة ما يستنزفنا.
اسأل نفسك بصدق:
- ما العلاقة التي تجعلني أفقد نفسي؟
- ما العادة التي تؤذيني؟
- ما المكان الذي لم أعد أشعر فيه بأنني أنتمي؟
- ما الفكرة التي أكررها عن نفسي وتمنعني من التقدم؟
- ما الشيء الذي أفعله فقط لأنني اعتدت عليه؟
قد يكون التغيير الحقيقي في حياتك هو وضع حدود، أو الابتعاد عن شخص، أو تغيير طريقة تفكير، أو التخلي عن صورة قديمة كنت تحاول أن تعيش وفقاً لها.
لا تنتظر أن تشعر بالسعادة كي تبدأ
من أكثر الأخطاء شيوعاً أن نقول: “عندما أشعر بالتحسن، سأبدأ”.
لكن في كثير من الأحيان يحدث العكس. نبدأ أولاً، ثم يبدأ شعورنا بالتغير.
اخرج للمشي حتى لو لم تكن لديك رغبة. رتّب غرفتك. استحم. افتح نافذتك. تحدث مع شخص تحبه. عد إلى هواية قديمة. تعلّم شيئاً جديداً. ابدأ مشروعاً صغيراً.
لا تستهِن بالأفعال الصغيرة. أحياناً تغيير بسيط في يومك يفتح الباب لتغيير أكبر في حياتك.
ابنِ حياةً تستطيع أن تحبها، وليس حياة تبدو مثالية للآخرين
قد نقضي سنوات نحاول الوصول إلى حياة يصفق لها الآخرون، ثم نكتشف أننا لا نشعر بالسعادة فيها.
السعادة ليست أن تمتلك ما يريده الجميع. السعادة أن تعرف ما الذي يعنيه لك أنت أن تعيش حياة جيدة.
ربما بالنسبة لك تعني حياة هادئة. ربما تعني عائلة قريبة، أو عملاً تحبه، أو الحرية، أو السفر، أو الإبداع، أو خدمة الآخرين.
اسأل نفسك: لو لم أكن أحاول إثبات أي شيء لأي شخص، كيف كنت سأختار أن أعيش؟
هذا السؤال وحده يمكن أن يغيّر الكثير.
تعلّم أن تجد المعنى، وليس المتعة فقط
السعادة ليست شعوراً دائماً بالفرح. الحياة تحتوي على الألم والخسارة والتغيير، ولا يمكننا التحكم بكل ما يحدث لنا.
لكن يمكننا أن نبحث عن معنى داخل تجاربنا.
يمكن أن يتحول الألم إلى وعي، والفشل إلى درس، والخسارة إلى بداية جديدة، والتجربة الصعبة إلى فرصة لاكتشاف قوتنا وحدودنا واحتياجاتنا.
ليس المطلوب أن تحب ما حدث لك، بل أن تصل في يوم من الأيام إلى مرحلة تقول فيها: “لم أكن أختار ما حدث، لكنني أستطيع أن أختار ماذا سأفعل بما حدث”.
اختر نفسك كل يوم

امرأة تشعر بالسعادة
تغيير الحياة ليس قراراً تتخذه مرة واحدة. إنه مجموعة من الاختيارات الصغيرة التي تكررها يومياً.
- اختر أن تتحدث مع نفسك بلطف.
- اختر أن تحافظ على جسدك.
- اختر أن تقول “لا” عندما تحتاج إلى ذلك.
- اختر أن تقترب من الأشخاص الذين يمنحونك الأمان.
- اختر أن تتوقف عن مقارنة رحلتك برحلات الآخرين.
- اختر أن تؤمن بأنك تستطيع أن تبدأ من جديد، مهما كان عمرك أو مهما طال الوقت.
ولا تخجل من طلب المساعدة. أحياناً نحتاج إلى شخص يسمعنا، أو صديق يحتوينا، أو مختص يساعدنا على فهم ما نمر به. طلب المساعدة ليس ضعفاً؛ بل هو شكل من أشكال الاهتمام بالنفس.
وفي النهاية، لا تنتظر يوماً تستيقظ فيه وقد اختفى كل شيء يؤلمك، لتبدأ بالعيش.
ابدأ الآن.
ابدأ بخطوة صغيرة.
بقرار صغير.
بعادة صغيرة.
بفكرة جديدة.
وبإيمان بسيط بأن حياتك يمكن أن تكون مختلفة.
قد لا تستطيع تغيير كل ظروفك اليوم، لكنك تستطيع أن تغيّر الطريقة التي تبدأ بها التعامل معها.
أنت لست ما حدث لك. أنت أيضاً ما تختار أن تصبح بعد كل ما حدث.
وربما الحياة التي تبحث عنها ليست بعيدة كما تظن؛ ربما هي تنتظر منك فقط أن تتوقف عن العيش بالطريقة التي تؤلمك، وأن تبدأ، خطوة بعد خطوة، في بناء حياة تشبهك أنت.









