بيروت_ ريما لمع بزيع
كل عام في شهر أكتوبر، تتكثف حملات التوعية حول سرطان الثدي، نظراً لتزايد أعداد المصابات به. حيث تشير منظمة الصحة العالمية ووفق أحدث بياناتها بأنه تم تشخيص نحو 2.4 مليون امرأة بسرطان الثدي حول العالم في عام 2024، فيما حصد المرض أرواح نحو 694 ألف امرأة في العام نفسه، ما يؤكد استمرار سرطان الثدي كأحد أبرز التحديات الصحية التي تواجه النساء عالمياً.
وفي دراسة لمنظمة الصحة العالمية في المنطقة، وُجد أن سرطان الثدي يُشخّص في بعض الدول العربية في سن أصغر؛ وفي الأردن، مثلاً، كانت 14.8% من حالات سرطان الثدي في عام 2012 لدى فئة المراهقات والشابات والبالغات حتى 39 عاماً، مقابل نحو 7% فقط من سرطان الثدي لدى النساء دون 40 عاماً في المجتمعات الغربية.
الأمر الذي يستدعي التركيز على طرق الوقاية وأهميتها، كما أهمية الكشف المبكر.
طرق الوقاية من سرطان الثدي
مجموعة من الطرق الوقائية تساهم في درء خطر الإصابة بسرطان الثدي، وهي كالآتي:
الحفاظ على وزن صحي

خسارة الوزن
تُعدّ العلاقة بين وزن الجسم وخطر الإصابة بسرطان الثدي ونتائج المرض معقّدة، ولا يزال الباحثون في مؤسسة أبحاث سرطان الثدي (BCRF) وغيرهم يدرسون طبيعة هذا الترابط.
ووفقًا للمعهد الوطني للسرطان (NCI)، فإن زيادة الوزن والسمنة بعد انقطاع الطمث ترفعان خطر إصابة المرأة بسرطان الثدي، وقد تؤثران سلباً في نتائج المرض بعد التشخيص، بغضّ النظر عن العمر الذي تم فيه تشخيص السرطان. كما تربط بيانات الجمعية الأميركية للسرطان (ACS) بين ارتفاع معدلات سرطان الثدي الإيجابي لمستقبلات الهرمونات (HR-positive) لدى النساء بعد انقطاع الطمث، وبين ارتفاع معدلات السمنة.
لكن الخبر السار هو أن الدراسات أظهرت باستمرار أن فقدان الوزن واتباع نظام غذائي صحي يمكن أن يقللا من خطر الإصابة بالسرطان.
التقليل من تناول اللحوم الحمراء والمصنّعة
أظهرت دراسات – من بينها تلك التي تدعمها مؤسسة أبحاث سرطان الثدي (BCRF)- وجود ارتباط بين ارتفاع معدل استهلاك اللحوم الحمراء (مثل لحم البقر، ولحم العجل، ولحم الضأن وغيرها) والدهون الحيوانية واللحوم المصنّعة (مثل اللحوم المقددة واللحوم الباردة الجاهزة، والنقانق، وغيرها) وبين زيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي وأنواع أخرى من السرطان، وذلك لأسباب لا تزال قيد البحث والكشف.
لذا، قد يكون الحرص على إدراج المزيد من مصادر البروتين النباتية — مثل الفاصوليا والعدس والمكسرات والكينوا — والحفاظ على تناول اللحوم باعتدال من الأمور الوقائية المهمة.
تناول المزيد من الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة
يرتبط النظام الغذائي الفقير بالفواكه والخضروات بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، ولا سيما النوع السلبي لمستقبلات الإستروجين (ER-negative). وتوصي الإرشادات الغذائية الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) بتناول كوبين من الفاكهة وكوبين ونصف من الخضروات يومياً.
من هنا وجوب الحرص على تناول مزيج متوازن من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، وزيادة من استهلاك البروتينات النباتية، والتقليل من البروتينات الحيوانية (اللحوم).
الإبتعاد من الكحول
ارتبط استهلاك الكحول بما يصل إلى 6% من حالات تشخيص السرطان و4% من الوفيات الناجمة عنه. وقد افترض الباحثون أن الكحول قد يرفع مستويات الإستروجين في الدم ويسبب تلفاً في الحمض النووي، إلا أن العلاقة المباشرة بينه وبين خطر الإصابة بالسرطان لا تزال قيد الدراسة.
ومع ذلك، فإن حتى الاستهلاك المعتدل للكحول —الذي يُعرَّف بأنه ما يصل إلى مشروب واحد يومياً للنساء ومشروبين للرجال— يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي، ولا سيما سرطان الثدي الإيجابي لمستقبلات الهرمونات. (HR-positive) إذ تواجه النساء اللواتي يتناولن ما بين مشروبين وثلاثة مشروبات كحولية يومياً خطراً أعلى للإصابة بالمرض بنسبة 20% مقارنةً بالنساء اللواتي لا يتناولن الكحول.
إذا كان هدفك هو بذل قصارى جهدك للحد من خطر الإصابة بسرطان الثدي، فعليك مراجعة عاداتك في استهلاك الكحول والعمل إما على تقليله بشكل كبير أو التوقف عنه تماماً.
الإقلاع عن التدخين
لقد أثبتت دراسات عديدة وجود علاقة بين التدخين وزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي وأنواع أخرى من السرطان. وتزداد هذه المخاطر بشكل أكبر لدى النساء اللواتي يدخّنّ حالياً أو كنّ يدخّنّ في الماضي، ولديهن تاريخ عائلي للإصابة بسرطان الثدي.
لذلك اجعل شهر التوعية بسرطان الثدي، الشهر الذي تتخلص فيه أخيراً من التدخين وإلى الأبد. يمكن استشارة مختص للمساعدة في ذلك.
ممارسة التمارين الرياضية بانتظام
تلعب التمارين الرياضية دوراً في الوقاية من سرطان الثدي. ولا تقتصر فوائد تمارين القلب (الكارديو) وتمارين القوة على مساعدة الأفراد في الحفاظ على وزن صحي للجسم، لا سيما عند اقترانها بنظام غذائي متوازن، بل يمكنها أيضاً تحسين النتائج الصحية وتقليل احتمال عودة المرض بعد تشخيص الإصابة بسرطان الثدي. بل إن ممارسة الرياضة قد تساعد أيضاً في تخفيف الأعراض المزعجة أثناء فترة العلاج.
إذا كنت لا تمارس حالياً القدر الموصى به من النشاط البدني (30 دقيقة يومياً)، فلا يزال بإمكانك البدء في ذلك في أي وقت. ويوصي الباحثون في مؤسسة أبحاث سرطان الثدي (BCRF) بالبدء بأي نشاط، مهما كان بسيطاً، يجعلك تتحرك وتستمتع بوقتك، مما يساعدك على الاستمرار في ممارسته. وسواء كان ذلك من خلال المشي أو الجري أو أعمال البستنة أو لعب التنس أو ممارسة التمارين المنزلية أو غيرها من الأنشطة، فإن مجرد رفع معدل ضربات القلب يعني أنك تجني فوائد صحية قيمة.
الرضاعة الطبيعية
أظهرت الدراسات أن الرضاعة الطبيعية قد تقلل من خطر إصابتكِ بسرطان الثدي، وربما يعود ذلك إلى أنها تقلل من عدد الدورات الشهرية التي تمر بها المرأة طوال حياتها. لذا، إذا كان بإمكانكِ إرضاع طفلكِ طبيعياً، فافعلي ذلك مع العلم أنكِ قد تحظين بفائدة وقائية بسيطة.
تقييم استخدام الهرمونات ومناقشة المخاطر مع الطبيب
قد تؤدي وسائل منع الحمل الهرمونية (مثل حبوب منع الحمل واللولب) والعلاج التعويضي بالهرمونات أو العلاج الهرموني لمرحلة انقطاع الطمث إلى زيادة احتمال إصابة المرأة بسرطان الثدي.
ومع ذلك، من المهم ملاحظة أن هذه المخاطر تختلف من امرأة لأخرى، وبالنسبة للكثيرات، فإن فوائد هذه العلاجات تفوق تلك المخاطر بكثير. كما تلعب عوامل أخرى دوراً مهماً، مثل التاريخ العائلي للإصابة بسرطان الثدي، ونمط الحياة، ومدة استخدام هذه الوسائل.
لذا، احرصي دائماً على مناقشة مخاطر إصابتكِ الشخصية بسرطان الثدي ومسألة استخدام الهرمونات مع طبيبك.
التعرّف على التاريخ العائلي ومستوى المخاطر الأساسي لديكِ
يُعد التاريخ العائلي أحد أهم العناصر المكوّنة لصورة المخاطر الشخصية المتعلقة بكِ؛ إذ يمكن وراثة الجينات المرتبطة بقابلية الإصابة بسرطان الثدي —مثل BRCA1 وBRCA2 وPALB2— عن أي من الوالدين، ولذا فإن التاريخ المرضي لعائلة الأب لا يقل أهمية عن تاريخ عائلة الأم. وينبغي أخذ حالات الإصابة بسرطان الثدي أو المبيض لدى الجدة (من جهة الأب) أو العمة أو ابنة العم أو ابنة العمة بعين الاعتبار عند مناقشة هذا الأمر.
إذا كنتِ ضمن فئة عالية المخاطر، ففكري في خيارات الوقاية الدوائية والجراحة.
بالنسبة للأفراد الذين يواجهون خطراً تراكمياً للإصابة بالمرض يفوق المعدل الطبيعي (والذي يُعرّف عادةً بنسبة 20% أو أكثر)، أو أولئك الذين يحملون طفرات جينية مثل BRCA1/2 أو PALB2، قد لا تكون تغييرات نمط الحياة وحدها كافية. وهناك خيارات إضافية مدعومة بالأدلة العلمية تستحق المناقشة مع طبيبك أو مع مستشار وراثي.
تشير “الوقاية الدوائية” (Chemoprevention) إلى استخدام الأدوية لتقليل خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى الأفراد المعرضين لمخاطر عالية. وقد ثبت أن أدوية مثل “تاموكسيفين” (Tamoxifen) و”رالوكسيفين” (Raloxifene) ومثبطات “الأروماتاز” (Aromatase inhibitors) تقلل المخاطر بشكل ملموس لدى الفئات المناسبة لاستخدامها، رغم أن لكل منها خصائص تتعلق بالمنافع والمخاطر تستدعي مناقشة فردية ومخصصة لكل حالة.
وبالنسبة للأشخاص المعرضين لمخاطر عالية جداً، تُعد الجراحة الوقائية – مثل استئصال الثدي أو استئصال المبيضين لتقليل المخاطر – خياراً آخر قد يختاره البعض بعد دراسة متأنية ومناقشة مع الفريق الطبي المعالج.
تُعد هذه القرارات شخصية للغاية وتعتمد على عوامل الخطر الخاصة بك، وتاريخك الصحي، وقيمك الشخصية. والأهم هو أن تكوني على دراية بوجود هذه الخيارات وأن تشعري بالقدرة والثقة لطرح الأسئلة حولها.
فحص سرطان الثدي: جزء أساسي من الوقاية

الكشف المبكر عن سرطان الثدي يُنقذ الحياة
تحقق تغييرات نمط الحياة واستراتيجيات الحد من المخاطر أفضل النتائج عند اقترانها بخطة فحص استباقية، وتعتمد الخطة المناسبة على مستوى الخطر الفردي الخاص بك. بالنسبة للنساء اللواتي يواجهن خطراً متوسطاً، توصي جمعية السرطان الأمريكية (American Cancer Society) ببدء إجراء تصوير الثدي بالأشعة السينية (الماموجرام) سنوياً عند سن الأربعين، مع التشجيع بقوة على إجراء الفحص بحلول سن الخامسة والأربعين. أما بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للخطر، فيجب أن تبدأ المناقشات حول الفحص في سن مبكرة – غالباً ما بين 25 و30 عاماً – وقد تشمل فحوص تصوير إضافية مثل التصوير بالرنين المغناطيسي للثدي (Breast MRI).
يُعد تصنيف المخاطر – أي تحديد ما إذا كنتِ تقعين ضمن فئة الخطر المتوسط أو المتوسط المرتفع أو العالي – حجر الأساس لنهج الفحص المخصص. وإذا لم تخوضي هذه المناقشة مع طبيبك، فإن نقطة البداية الجيدة هي إجراء تقييم رسمي للمخاطر باستخدام أداة معتمدة وموثوقة، إلى جانب مراجعة شاملة لتاريخك الصحي الشخصي وتاريخ العائلة الطبي.
يعمل الباحثون المدعومون من مؤسسة أبحاث سرطان الثدي (BCRF) على تطوير هذا المجال بشكل مباشر من خلال ابتكار استراتيجيات فحص أكثر ذكاءً، وتحديد من يحتاج إلى أي مستوى من المراقبة والفحوص، وتوقيت ذلك بدقة.
يُعد الكشف المبكر والأكثر دقة من أقوى أدوات الوقاية من سرطان الثدي، وتبدأ هذه العملية بمعرفة مستوى المخاطر لديك.
*المصدر:
Breast Cancer Research Foundation









