بيروت_ ريما لمع بزيع
بدأ الناس يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي، في الآونة الأخيرة، من أجل شيء إنساني وعميق جداً “العلاج النفسي”.
يتحدثون مع الذكاء الاصطناعي عندما يشعرون بالقلق، يسألونه أن يحلل طفولتهم، يصفون له مشاكلهم في العلاقات ويسألونه “ما خطبي؟”.
يطلبون منه استراتيجيات للتعامل مع مشاعرهم، وتفسيرات لصدماتهم، وطمأنة عاطفية، وأحياناً يطلبون منه ببساطة: “كن معالجي النفسي”. فما هذه الظاهرة؟ ولماذا تحدث؟ وهل ستحقق إفادة للأشخاص الذين يعانون بصمت؟.. الإجابة في هذا الموضوع مع اختصاصية علم النفس أزنيف بولاطيان.

اختصاصية علم النفس أزنيف بولاطيان
لماذا يلجأ الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية إلى الذكاء الاصطناعي؟
قد أتفهم الأمر. فالذكاء الاصطناعي متاح على مدار الساعة، وهو لا يحكم عليك، لا يتعب، لا تحتاج إلى انتظار موعد
وأحياناً، وربما من الأسهل أن كتابة الأفكار على شاشة بدلاً من أن قولها بصوت عالٍ أمام إنسان آخر.
لكن هذا يطرح سؤالًا مهماً: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة داعمة، أم بدأنا نؤمن بأنه قادر على أن يحلّ مكان الإنسان الذي يجلس أمامنا؟
العلاج النفسي ليس مجرد إعطاء إجابات. العلاج النفسي لا يقوم فقط على الحصول على المعلومة الصحيحة. فلو كان العلاج مجرد معرفة ما يجب أن نفعله، لكان بإمكاننا قراءة كتاب، مشاهدة فيديو، أو البحث على الإنترنت، وحلّ كل مشاكلنا العاطفية بأنفسنا.
لكن التعافي لا يحدث من خلال المعلومات وحدها.
العلاقة العلاجية تتضمن الثقة، والأمان، والقدرة على قراءة المشاعر، والانتباه، والحدود، والتواصل الإنساني الذي يتطور مع الوقت.
المعالج لا يستمع فقط إلى ما تقوله، بل يستطيع أن يلاحظ كيف تقوله:
• الصمت
• التناقضات
• المشاعر الموجودة خلف الكلمات
• التغيّر في نبرة صوتك
• اللحظات التي تتجنب فيها موضوعاً معيناً
• والأشياء التي قد لا تدرك أنت نفسك أنك تعبّر عنها.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم لك الشفاء؟
العلاج النفسي يحدث داخل علاقة إنسانية؛ فأنت لا تتلقى إجابات فقط، بل تختبر علاقة تساعدك، مع الوقت، على أن تفهم نفسك بطريقة مختلفة. فيما الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يعكس لك، لكن الانعكاس ليس علاقة.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيداً جداً، يمكنه أن يساعد الشخص على ترتيب أفكاره، والكتابة عن مشاعره، والتعرف إلى بعض الأنماط، وتعلّم مفاهيم نفسية، والتحضير لجلسة علاج، وحتى إيجاد الكلمات لمشاعر لم يكن قادراً على التعبير عنها من قبل.
قد يقول لك مثلاً: “يبدو أنك قد تكون تشعر بالرفض”.
وقد تساعدك هذه الجملة على إدراك شيء مهم عن نفسك، لكن التعرف إلى النمط ليس هو نفسه شفاء النمط.
أن تفهم أن طفولتك أثرت فيك، ليس هو نفسه أن تعالج ما حدث فيها.
أن تعرف أن لديك نمطاً معيناً في التعلق، ليس هو نفسه أن تختبر علاقة آمنة.
وتلقي الطمأنة من آلة، ليس بالضرورة هو نفسه أن تتعلم كيف تنظم مشاعرك وتبني علاقات صحية مع الآخرين.
ماذا يحدث عندما نصبح معتمدين عاطفياً على الآلة؟

فتاة تتحدث مع الذكاء الاصطناعي
إذا بدأ الشخص يسأل الذكاء الاصطناعي:
- ماذا يجب أن أفكر؟
- ماذا يجب أن أشعر؟
- هل علاقتي صحية؟
- هل يجب أن أترك هذا الشخص؟
- هل أنا شُفيت؟
- ماذا تعني كل مشاعري؟
فقد ننتقل، من دون أن ننتبه، من استخدام أداة إلى التنازل عن سلطتنا الداخلية.
والتعافي، في النهاية، يجب أن يساعد الإنسان على أن يصبح أكثر اتصالاً بوعيه العاطفي، وحكمه الداخلي، وقيمه، وعلاقاته.
لا أن يصبح أقل اعتماداً على نفسه.
الهدف ليس أن نمتلك شيئاً يخبرنا باستمرار ماذا تعني مشاعرنا. الهدف هو أن نتعلم كيف نفهم مشاعرنا بأنفسنا.
والعنصر الإنساني مهم: هناك شيء قوي جداً في أن يراك إنسان آخر. ليس لأن المعالجين يمتلكون كل الإجابات. هم لا يملكونها، ولكن لأن الإنسان يختبر العلاقات مع البشر:
نحن نعرف معنى أن نجلس بصمت إلى جانب شخص يتألم. نعرف معنى أن نشعر بوجود شخص آخر، ونستطيع أن نبني علاقة يشعر فيها الإنسان بالأمان الكافي لاستكشاف مشاعره الصعبة، خطوة بخطوة.
التكنولوجيا يمكن أن تدعم هذه العملية، لكن لا يجب أن تجعلنا ننسى أهمية التواصل الإنساني.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلّ مكان العلاج النفسي؟
ربما السؤال الأفضل هو:” لماذا يبحث الكثير من الناس عن العلاج النفسي من خلال الذكاء الاصطناعي في الأساس؟”
ربما لأن العلاج النفسي ليس متاحاً للجميع.
ربما لأن الناس يخافون من الحكم عليهم.
ربما لأنهم لا يعرفون من أين يبدأون.
وربما لأن التحدث مع شاشة يبدو أكثر أماناً من أن يكون الشخص ضعيفاً ومكشوفاً أمام إنسان آخر.
وربما تكون هذه فرصة لنا، نحن العاملين في مجال الصحة النفسية، لنسأل أنفسنا سؤالاً غير مريح، لكنه ضروري.
ماذا يمكننا أن نفعل حتى نجعل العلاج الإنساني أكثر سهولة، وأكثر أماناً، وأكثر وضوحاً وأكثر إنسانية؟
الذكاء الاصطناعي موجود وليس علينا بالضرورة أن نخاف منه، علينا أن نفهم مكانه الصحيح.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة.
يمكنه أن يساعدنا على التأمل.
يمكنه أن يساعدنا على التعلّم.
يمكنه أن يساعدنا على وضع كلمات للأفكار والمشاعر.
لكن الأداة يجب أن تبقى أداة، لأن التعافي لا يتعلق فقط بالعثور على الإجابة الصحيحة.
أحياناً، يبدأ التعافي عندما يجلس إنسان آخر إلى جانبك ويقول لك “أنا أراك”، “أنا أسمعك” ولست مضطراً إلى المرور بكل هذا وحدك.









