بقلم الدكتورة تانيا بخشّي
لا يمكننا دائماً التنبؤ بما تحمله الأيام المقبلة، وقد تصبح مشاعر القلق والخوف أكثر حضوراً عندما تطرأ تغيّرات مفاجئة أو نواجه ظروفاً خارجة عن سيطرتنا. وفي مثل هذه الأوقات، لا يتعامل العقل وحده مع حالة عدم اليقين، بل يستجيب الجسم أيضاً؛ فقد يظهر ذلك في اضطرابات النوم، وتسارع الأفكار، وصعوبة التركيز، أو الشعور بالتوتر الجسدي.
وتوضح الدكتورة تانيا بخشّي، الخبيرة في شؤون صحة المرأة والاختصاصية في الطب التكاملي والمديرة التنفيذية لمجموعة “باكسون” أن التعامل مع عدم اليقين لا يعني محاولة السيطرة على كل ما يحدث من حولنا، بل التركيز على ما يمكننا التأثير فيه، وفي مقدمه الطريقة التي يستجيب بها العقل والجسم للضغوط.
وفي الأوقات الصعبة، يمكن الاستناد إلى مجموعة من الخطوات البسيطة للمساعدة في استعادة الشعور بالتوازن.
تقبّل الواقع بدلاً من مقاومته
قد تؤدي محاولة مقاومة الظروف التي لا يمكن تغييرها فوراً إلى زيادة الشعور بالضغط والإرهاق النفسي. لكن التقبّل لا يعني بالضرورة الموافقة على ما يحدث أو الاستسلام له، وإنما يعني الاعتراف بالواقع كما هو، ثم تحديد ما يمكن فعله في مواجهته.
وعندما نتوقف عن استنزاف طاقتنا في محاولة تغيير أمور خارجة عن نطاق سيطرتنا، تصبح لدينا مساحة ذهنية أكبر للتفكير بوضوح واتخاذ قرارات أكثر اتزاناً.
وفي المقابل، تبقى طريقة استجابتنا للأحداث من الجوانب التي يمكننا العمل عليها، حتى عندما لا نملك القدرة على التحكم في الحدث نفسه.
التنفّس يساعد على تهدئة استجابة الجسم
في لحظات التوتر الشديد، قد يكون التوقف لبضع لحظات والتركيز على التنفس خطوة بسيطة لاستعادة قدر من الهدوء.
ولا يحتاج الأمر بالضرورة إلى ممارسة طويلة؛ ففي بعض المواقف، يمكن حتى لنفس واحد يتم أخذه ببطء ووعي أن يمنح الشخص لحظة للتوقف قبل الاستجابة للموقف أو الانفعال.
والتنفس، رغم كونه وظيفة تلقائية، يمكن استخدامه بصورة واعية كأداة للمساعدة على تهدئة الجسم واستعادة التركيز. ومع الممارسة المنتظمة، يمكن أن يصبح التوقف والتنفس بوعي جزءاً من طريقة التعامل مع لحظات الضغط.
تذكّر أن الخوف لا يعني أن أسوأ الاحتمالات سيحدث
عندما يواجه الإنسان ظروفاً غير واضحة، يميل العقل إلى طرح أسئلة من قبيل: «ماذا لو حدث الأسوأ؟». ويُعد هذا النوع من التفكير جزءاً من آلية الحماية التي تدفعنا إلى الاستعداد للمخاطر المحتملة.
لكن وجود فكرة مخيفة لا يعني بالضرورة أنها ستتحول إلى واقع.
ومن المفيد في هذه اللحظات محاولة ملاحظة الأفكار والمشاعر من دون الاستجابة لها فوراً. فخلق مسافة بين الإنسان وبين الفكرة قد يساعده على النظر إليها بصورة أكثر موضوعية، بدلاً من التعامل معها باعتبارها حقيقة مؤكدة.
ولا يعني ذلك تجاهل الخوف أو قمع المشاعر، وإنما إدراك وجودها من دون السماح لها بأن تتحكم تلقائياً في السلوك والقرارات.
الاهتمام بالجسم جزء من التعامل مع الضغوط

التغذية السليمة أساسية لصحة الجسم والعقل
عندما تبدو الأحداث الخارجية غير متوقعة، قد يصبح الاهتمام بالاحتياجات الأساسية للجسم أكثر أهمية. فالنوم الكافي، والتغذية المتوازنة، والراحة، وممارسة النشاط البدني وفق القدرة، إلى جانب التنفس الواعي، كلها ممارسات يمكن أن تساعد في دعم القدرة على التعامل مع الضغوط اليومية.
ولا يتعلق الأمر بالوصول إلى حالة من الهدوء الدائم أو التخلص الكامل من الخوف، وإنما ببناء قدرة أكبر على استعادة التوازن بعد لحظات التوتر.
المرونة النفسية لا تعني غياب الخوف
قد يكون من الصعب تجنّب عدم اليقين تماماً، فهو جزء طبيعي من الحياة، كما أن المشاعر التي ترافقه لا يمكن إلغاؤها ببساطة.
لكن المرونة النفسية لا تعني ألا نشعر بالخوف أو القلق، بل أن نتمكن من الاستمرار في التعامل مع الواقع واتخاذ القرارات بهدوء، رغم وجود هذه المشاعر.
وفي النهاية، قد لا نملك القدرة على التحكم في الأحداث التي تحدث من حولنا، لكننا نستطيع أن نمنح أنفسنا مساحة للتوقف، والتنفس، وتقبّل ما لا يمكن تغييره، والتركيز على الخطوات التي تقع ضمن نطاق سيطرتنا. وهذه الممارسات البسيطة قد تساعد على التعامل مع فترات عدم اليقين بقدر أكبر من الوعي والاتزان.









