بيروت_ ريما لمع بزيع
لا تقتصر مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية على العوامل المعروفة مثل ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسكري. فقد أظهرت دراسة جديدة أجرتها مايو كلينك أن كمية الدهون المتراكمة حول القلب قد تحمل أيضاً معلومات مهمة تساعد الأطباء على تقدير احتمالات الإصابة بأحداث قلبية وعائية في المستقبل.
وقد كشفت دراسة حديثة من مايو كلينك أن تحليل الدهون المحيطة بالقلب بواسطة الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز دقة تقييم المخاطر، خصوصاً لدى الأشخاص المصنفين ضمن فئات الخطورة المنخفضة أو الحدّية.
لعل أبرز ما يلفت الإنتباه في الدراسة الحديثة أن الباحثين تمكنوا من قياس هذه الدهون بصورة مؤتمتة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، اعتماداً على فحص تصويري يخضع له العديد من المرضى أساساً لتقييم تكلس الشرايين التاجية. وبذلك، قد يتيح الفحص نفسه استخراج معلومات إضافية عن خطر الإصابة بأمراض القلب، من دون الحاجة إلى اختبارات تصويرية إضافية.
ماذا اكتشف الباحثون؟
تابعت الدراسة نحو 12 ألف شخص بالغ لمدة تقارب 16 عاماً، وركزت على قياس الدهون المحيطة بالقلب، المعروفة باسم النسيج الدهني التاموري، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المطبقة على صور الأشعة المقطعية المتزامنة مع تخطيط القلب.
ولمعرفة القيمة الحقيقية لهذا القياس، قارن الباحثون قدرته على التنبؤ بأحداث القلب والأوعية الدموية مع طريقتين مستخدمتين على نطاق واسع في تقييم مخاطر القلب.
الأولى هي معادلة PREVENT الصادرة عن الجمعية الأمريكية للقلب، وهي تعتمد على مجموعة من عوامل الخطر التقليدية، مثل العمر والجنس وضغط الدم والكوليسترول والسكري وغيرها.
أما الطريقة الثانية فهي درجة تكلس الشرايين التاجية، التي تساعد على تقدير كمية اللويحات المتكلسة الموجودة داخل الشرايين التي تغذي عضلة القلب.
ثم اختبر الباحثون ما إذا كانت إضافة قياس الدهون المحيطة بالقلب إلى هذه الأدوات يمكن أن تجعل التنبؤ بالمخاطر أكثر دقة.
دهون القلب كمؤشر مستقل للخطر

أمراض القلب تحتاج الى الكشف المبكر
أظهرت النتائج أن زيادة حجم الدهون المحيطة بالقلب ارتبطت بارتفاع خطر الإصابة بأحداث القلب والأوعية الدموية، حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل الخطر التقليدية ودرجة تكلس الشرايين التاجية.
كما تبين أن الأشخاص الذين لديهم أكبر حجم من الدهون المحيطة بالقلب كانوا أكثر عرضة للمخاطر، بغض النظر عن مستوى الكالسيوم الموجود في الشرايين التاجية.
وهذا يعني أن قياس الدهون المحيطة بالقلب قد يضيف طبقة أخرى من المعلومات إلى التقييم التقليدي، بدلاً من الاعتماد على مؤشر واحد فقط.
والأهم أن إضافة هذا القياس إلى درجة تكلس الشرايين التاجية ومعادلة PREVENT حسّنت دقة التنبؤ بالمخاطر على المدى الطويل، وكانت الفائدة أكثر وضوحاً لدى الأشخاص الذين صُنّفوا ضمن فئات الخطورة المنخفضة أو الحدّية، حيث قد تكون القرارات المتعلقة بالوقاية والعلاج أقل وضوحاً.
ما أهمية الذكاء الاصطناعي في الكشف عن أمراض القلب؟
تكمن أهمية هذه الدراسة في أن الذكاء الاصطناعي لم يُستخدم لإجراء فحص جديد، بل لتحليل معلومات موجودة أصلاً في صور الأشعة.
وتوضح الباحثة زهرة إسماعيلي، المؤلفة الأولى والباحثة في قسم طب القلب والأوعية الدموية في مايو كلينك، أن الدهون المحيطة بالقلب كانت معروفة سابقاً باعتبارها مؤشراً محتملاً لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، لكن الدراسة توضح إمكانية قياسها بصورة مؤتمتة واستخدامها لتحسين تقييم المخاطر.
وترى إسماعيلي أن هذه الإمكانية قد تكون مفيدة بصورة خاصة لدى الأشخاص الذين يقع تقييم خطرهم ضمن الفئات المتوسطة أو الحدّية، وهي الفئات التي قد لا تكون فيها القرارات السريرية واضحة دائماً، ما يفتح المجال أمام استراتيجيات وقائية أكثر تخصيصاً.
ميزة إضافية من الفحص في تقييم مخاطر الإصابة بأمراض القلب
يُستخدم قياس تكلس الشرايين التاجية على نطاق واسع للمساعدة في تقييم خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وتكمن إحدى أبرز نقاط الدراسة في إمكانية الاستفادة من صور هذا الفحص للحصول على معلومة إضافية عن الدهون المحيطة بالقلب، من دون الحاجة بالضرورة إلى إجراء اختبار تصويري جديد.
ويشير فرانسيسكو لوبيز خيمينيز، طبيب القلب والمدير المشارك لبرنامج الذكاء الاصطناعي في مجال طب القلب في مايو كلينك والمشرف الرئيسي على الدراسة، إلى أن الاعتماد على فحص تصويري يخضع له عدد كبير من المرضى بالفعل قد يجعل هذه الطريقة عملية وقابلة للتوسع في المستقبل.
وقد تساعد هذه المعلومات الإضافية الأطباء على التعرف إلى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في وقت مبكر، بما يدعم اتخاذ قرارات وقائية أكثر فاعلية.
ماذا أظهرت الدراسة بالأرقام؟
خلال فترة المتابعة، أصيب نحو 10% من المشاركين بأحد أمراض القلب والأوعية الدموية.
كما أظهرت الدراسة أن:
- ارتفاع حجم الدهون المحيطة بالقلب ارتبط بزيادة خطر الإصابة بأحداث القلب والأوعية الدموية، بصورة مستقلة عن عوامل الخطر التقليدية ودرجة تكلس الشرايين التاجية.
- الأشخاص الذين لديهم أكبر حجم من الدهون المحيطة بالقلب كانوا معرضين لخطر أعلى، بغض النظر عن مستوى الكالسيوم في الشرايين التاجية.
- إضافة قياس الدهون المحيطة بالقلب حسّنت القدرة على التنبؤ بأحداث القلب والأوعية الدموية مقارنة بالنماذج التقليدية المستخدمة وحدها.
- كان التحسن في تقييم المخاطر أكثر أهمية لدى الأشخاص المصنفين ضمن الفئات منخفضة الخطورة أو الحدّية.
خطوة واعدة نحو تقييم أكثر دقة للمخاطر
تأتي أهمية هذه النتائج من إمكانية تحويل فحص تصويري روتيني إلى مصدر لمعلومات إضافية تساعد على فهم خطر الإصابة بأمراض القلب بصورة أكثر شمولاً.
ومع ذلك، لا تعني نتائج الدراسة أن قياس الدهون المحيطة بالقلب أصبح بديلاً عن أدوات تقييم المخاطر المعتمدة، بل تشير إلى إمكانية دمجه معها لتحسين دقة التنبؤ.
ويؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد أفضل الطرق لدمج هذا القياس في الممارسة السريرية اليومية، وكذلك لمعرفة ما إذا كان استخدامه سيؤثر فعلياً في القرارات المتعلقة بالعلاج والوقاية.
ونُشرت الدراسة في مجلة American Journal of Preventive Cardiology، بالتزامن مع عرض نتائجها في الجلسة العلمية للكلية الأمريكية لأمراض القلب لعام 2026.









