بيروت_ ريما لمع بزيع
يُعدّ مرض الأمعاء الالتهابي من الأمراض المزمنة التي تؤثر في الجهاز الهضمي، وقد تنعكس أعراضه على صحة المصاب ونوعية حياته، خصوصاً عندما تتكرر نوبات الالتهاب أو تظهر مضاعفات تستدعي تدخلاً طبياً. ولا يقتصر التعامل مع هذا المرض على تخفيف الأعراض، بل يتطلب تشخيصاً دقيقاً وخطة علاجية تتناسب مع نوع الالتهاب وشدته ومكان الإصابة.
ويشمل مرض الأمعاء الالتهابي (Inflammatory Bowel Disease – IBD) حالتين رئيسيتين هما التهاب القولون التقرحي (Ulcerative Colitis) وداء كرون (Crohn’s Disease). وعلى الرغم من اشتراكهما في بعض الأعراض، فإنهما يختلفان في مواضع الإصابة وطبيعة الالتهاب والمضاعفات المحتملة.
الدكتورة كيلي ماثيس، اختصاصية جراحة القولون والمستقيم في مايو كلينك، تشرح أبرز الفوارق بين الحالتين، وطرق تشخيصهما وعلاجهما، والحالات التي قد تستدعي اللجوء إلى الجراحة.

الدكتورة كيلي ماثيس
ما مرض الأمعاء الالتهابي؟ وما أبرز أعراضه؟
مرض الأمعاء الالتهابي هو مصطلح يشمل مجموعة من الحالات المزمنة التي تسبب التهاباً في أجزاء من السبيل الهضمي. وتختلف طبيعة الالتهاب وموقعه باختلاف نوع المرض، إلا أن كليهما قد يسبب أعراضاً تؤثر في الحياة اليومية للمصاب.
وتشمل الأعراض الشائعة، بحسب الدكتورة ماثيس:
• ألم البطن وتشنجاته.
• الإسهال المتكرر.
• النزيف من المستقيم.
• الإرهاق الشديد.
• فقدان الوزن، الذي قد يظهر بصورة أوضح لدى بعض المصابين بداء كرون.
وتتفاوت شدة الأعراض من شخص إلى آخر؛ فقد تكون خفيفة لدى بعض المرضى، فيما قد تكون مُنهِكة لدى آخرين، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى مضاعفات خطيرة تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.
ما الفرق بين التهاب القولون التقرحي وداء كرون؟
رغم أن التهاب القولون التقرحي وداء كرون يندرجان ضمن مرض الأمعاء الالتهابي، إلا أن لكل منهما خصائص تميّزه عن الآخر.
التهاب القولون التقرحي: يصيب القولون والمستقيم، ويسبب التهاباً وتقرحات في البطانة الداخلية للأمعاء الغليظة. وقد يؤدي إلى الإسهال، وأحياناً إلى ظهور الدم في البراز، فضلاً على ألم البطن والإرهاق.
داء كرون: يمكن أن يصيب أي جزء من الجهاز الهضمي، من الفم إلى الشرج، لكنه يظهر غالباً في الأمعاء الدقيقة وبداية القولون. وقد يمتد الالتهاب إلى طبقات أعمق من جدار الأمعاء، ما يزيد احتمال حدوث مضاعفات مثل التضيق والانسداد والنواسير.
ويُعدّ التمييز بين الحالتين ضرورياً لتحديد العلاج المناسب، إذ تختلف الخيارات العلاجية والجراحية بحسب طبيعة المرض وموقعه ومدى تقدمه.
كيف يُشخَّص مرض الأمعاء الالتهابي؟
لا يعتمد تشخيص مرض الأمعاء الالتهابي على الأعراض وحدها، بل يتطلب الجمع بين الفحص السريري والتاريخ الطبي للمريض ومجموعة من الاختبارات والإجراءات التي تساعد على تحديد نوع الالتهاب واستبعاد الأسباب الأخرى، مثل بعض أنواع العدوى.
وتشمل الفحوص التي قد يطلبها الطبيب الآتي:
1- تحاليل الدم
تساعد على الكشف عن مؤشرات الالتهاب، والتحقق من وجود فقر الدم أو علامات أخرى قد ترتبط بالمرض. لكنها لا تكفي وحدها لتأكيد التشخيص.
2- تحاليل البراز
تُستخدم للكشف عن بعض أنواع العدوى واستبعادها، كما يمكن أن تساعد في قياس مؤشرات الالتهاب المعوي، مثل الكالبروتكتين البرازي، الذي يساهم في تقييم وجود التهاب في الأمعاء.
3- التنظير الداخلي
يُعدّ التنظير من الفحوص المهمة لتقييم حالة الأمعاء، وقد يشمل:
• تنظير القولون: يتيح للطبيب فحص القولون والمستقيم، وأخذ عينات من الأنسجة عند الحاجة.
• التنظير السيني المرن: يُستخدم لفحص المستقيم والجزء السفلي من القولون، وقد يكون مناسباً في بعض الحالات التي تستدعي تجنب تنظير القولون الكامل، وفقاً لتقييم الطبيب.
• التنظير العلوي: يُجرى عند الاشتباه في إصابة الجزء العلوي من الجهاز الهضمي.
• تنظير الكبسولة: يعتمد على ابتلاع كبسولة صغيرة مزودة بكاميرا لالتقاط صور للأمعاء الدقيقة، وقد يُستخدم في حالات مختارة بعد تقييم احتمال وجود تضيق أو انسداد.
• التنظير بمساعدة البالون: يساعد على الوصول إلى أجزاء أعمق من الأمعاء الدقيقة وفحصها، وأخذ عينات أو إجراء تدخلات عند الضرورة.
4- الخزعات النسيجية
قد يأخذ الطبيب عينات صغيرة من الأنسجة خلال التنظير لفحصها مخبرياً. وتساعد نتائج الخزعات، إلى جانب الأعراض والفحوص الأخرى، على تأكيد التشخيص والتمييز بين مرض الأمعاء الالتهابي وغيره من أسباب التهاب الجهاز الهضمي.
ما العلاجات المتاحة لمرض الأمعاء الالتهابي؟

امرأة تعاني من ألم في المعدة
يعتمد علاج مرض الأمعاء الالتهابي على نوع المرض وموقعه وشدته، ومدى استجابة المريض للعلاجات السابقة. ويهدف إلى السيطرة على الالتهاب، وتخفيف الأعراض، وتحقيق فترات هدوء أطول، والحد من المضاعفات.
وتشمل الخيارات العلاجية الأدوية المضادة للالتهاب، والأدوية المعدّلة أو المثبّطة للمناعة، والعلاجات البيولوجية التي تستهدف مسارات محددة في الاستجابة المناعية. وقد تُستخدم أيضاً علاجات أخرى بحسب طبيعة الحالة.
ويحتاج بعض المرضى إلى دعم غذائي أو معالجة نقص الفيتامينات والمعادن وفقر الدم، وفقاً لنتائج التقييم الطبي.
لكن العلاج الدوائي لا يكون كافياً في جميع الحالات؛ فقد تصبح الجراحة ضرورية عندما لا يستجيب المرض للأدوية، أو عندما يتعذر تحمّلها، أو عند حدوث مضاعفات مثل الانسداد أو الانثقاب أو النزيف الشديد.
متى تكون الجراحة ضرورية في التهاب القولون التقرحي؟
قد يتم اللجوء إلى الجراحة في حالات التهاب القولون التقرحي الشديد الذي لا يستجيب للعلاج الدوائي، أو عند ظهور مضاعفات خطيرة، أو اكتشاف تغيرات نسيجية تزيد خطر الإصابة بسرطان القولون.
ومن الإجراءات الجراحية المعروفة استئصال القولون والمستقيم، وقد يُجرى بالتزامن مع إعادة بناء مسار خروج الفضلات. وفي بعض الحالات، يستطيع الجراح إنشاء خزان داخلي من الأمعاء الدقيقة وتوصيله بالشرج، بما يسمح بمرور الفضلات من دون الحاجة إلى كيس خارجي دائم.
غير أن هذا الخيار لا يناسب جميع المرضى، وقد لا يكون ممكناً لأسباب تتعلق بالحالة الصحية أو طبيعة المرض أو نتائج العلاج. وفي هذه الحالات، قد يلجأ الجراح إلى إنشاء فغر اللفائفي، أي فتحة في جدار البطن تخرج عبرها الفضلات من الأمعاء الدقيقة إلى كيس مخصص.
ويعتمد اختيار الإجراء الأنسب على الحالة الصحية للمريض، ودرجة الالتهاب، ووظيفة العضلات المحيطة بالشرج، وعوامل أخرى يقيّمها الفريق الطبي.
الجراحة في داء كرون: ما الحالات التي تستدعيها؟
قد يحتاج المصابون بداء كرون إلى الجراحة خلال حياتهم، خصوصاً عندما يتسبب المرض في مضاعفات لا يمكن السيطرة عليها بالأدوية وحدها. وتذكر الدكتورة ماثيس أن ما يصل إلى ثلثي المصابين بداء كرون قد يحتاجون إلى عملية جراحية واحدة على الأقل خلال حياتهم.
وتشمل الحالات التي قد تستدعي التدخل الجراحي:
• انسداد الأمعاء: نتيجة التضيق الناجم عن الالتهاب المزمن أو التندّب.
• النواسير: وهي قنوات غير طبيعية قد تتشكل بين الأمعاء وأعضاء أو أنسجة أخرى.
• انثقاب الأمعاء: وهو حدوث ثقب في جدار الأمعاء، وقد يمثل حالة طارئة.
• الالتهاب أو التلف المعوي الشديد: عندما لا تستجيب الحالة للعلاج المناسب.
وخلال الجراحة، قد يستأصل الجرّاح الجزء المتضرر من الأمعاء ثم يعيد توصيل الأجزاء السليمة. ويحرص الفريق الجراحي، قدر الإمكان، على المحافظة على أكبر كمية ممكنة من الأمعاء، لأن تكرار الاستئصال قد يؤثر في قدرة الجسم على امتصاص العناصر الغذائية.
ومن المهم الإشارة إلى أن الجراحة لا تشفي داء كرون نهائياً، إذ يمكن أن يعود المرض في أجزاء أخرى من الجهاز الهضمي أو بالقرب من موضع الجراحة. لذلك، قد يحتاج المريض إلى متابعة طبية وعلاج دوائي بعد العملية للحد من خطر عودة الالتهاب.
كيف تُتخذ القرارات المتعلقة بالجراحة؟
تؤكد الدكتورة ماثيس أن قرار الجراحة يُتخذ بصورة فردية، بالتعاون بين المريض وطبيب الجهاز الهضمي والجراح، بناءً على مجموعة من العوامل، أبرزها:
• شدة المرض وموقع الالتهاب.
• مدى الاستجابة للعلاجات الدوائية.
• الحالة الصحية والتغذوية العامة.
• تأثير الأعراض في نوعية الحياة والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
• فوائد الجراحة ومخاطرها والخيارات المتاحة.
• تفضيلات المريض وتوقعاته بشأن النتائج.
وفي الحالات الطارئة، مثل انثقاب الأمعاء أو النزيف الشديد، قد يكون التدخل الجراحي الفوري ضرورياً. أما في الحالات الأخرى، فقد يتوافر الوقت الكافي لمناقشة الخيارات المتاحة والاستعداد للعملية ووضع خطة للرعاية بعد الجراحة.
التعايش مع مرض الأمعاء الالتهابي: أهمية المتابعة والرعاية المتكاملة
يتطلب مرض الأمعاء الالتهابي متابعة طبية منتظمة، حتى خلال فترات تحسن الأعراض، لأن الالتهاب قد يعود أو يتطور من دون أن تكون جميع التغيرات واضحة للمريض. كما تساعد المتابعة على تقييم الاستجابة للعلاج، والكشف المبكر عن المضاعفات، وتعديل الخطة العلاجية عند الحاجة.
وتشدد الدكتورة ماثيس على أهمية مشاركة المرضى في القرارات المتعلقة بعلاجهم، وطرح الأسئلة على الفريق الطبي لفهم الخيارات المتاحة والنتائج المتوقعة. فالهدف من العلاج، سواء أكان دوائياً أم جراحياً، هو السيطرة على الأعراض، والحد من المضاعفات، وتحسين نوعية الحياة قدر الإمكان.
الخلاصة: لا يعني تشخيص مرض الأمعاء الالتهابي أن الجراحة ستكون حتمية، كما أن الحاجة إليها لا تعني فشل الرعاية الطبية. فاختيار العلاج المناسب يعتمد على طبيعة المرض وتطوره واستجابة المريض، وتبقى الشراكة بين المريض والفريق الطبي أساساً لاتخاذ قرارات مدروسة وتحقيق أفضل النتائج الممكنة.









