بيروت_ ريما لمع بزيع
تؤدي المفاصل والعظام دوراً أساسياً في الحفاظ على الحركة والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية، إلا أن بعض المشكلات الصحية التي تصيبها قد تبدأ بأعراض بسيطة يسهل تجاهلها، مثل التيبّس الصباحي أو الألم المتقطع أو التورّم. وقد يساعد الانتباه إلى هذه العلامات والتعامل معها مبكراً في تشخيص الحالة وتحديد العلاج المناسب، والحد من تأثيرها على جودة الحياة.
وتتعدد أسباب آلام المفاصل، بين الأمراض التنكسية، مثل الفُصال العظمي، والأمراض الالتهابية والمناعية، مثل التهاب المفاصل الروماتويدي. كذلك، تختلف طرق التشخيص والعلاج بحسب طبيعة الحالة، فيما تؤدي العادات اليومية، بما فيها ممارسة النشاط البدني واتباع نظام غذائي متوازن والحفاظ على وزن صحي، دوراً مهماً في دعم صحة العظام والمفاصل.
في هذه المقابلة، توضح الدكتورة أمل جناوي، استشارية أمراض الروماتيزم وهشاشة العظام، أبرز العلامات المبكرة لالتهاب المفاصل، والفحوص التي قد تساعد في تشخيصه، والفرق بين أنواعه الأكثر شيوعاً. كما تقدم مجموعة من الإرشادات العملية للحفاظ على صحة المفاصل والعظام، وتتناول تأثير بعض العوامل البيئية والسلوكية في دولة الإمارات العربية المتحدة في صحة الجهاز الحركي.

الدكتورة أمل الجناوي
ما العلامات المبكرة لالتهاب المفاصل التي ينبغي التنبّه إليها؟
تُعدّ ملاحظة التغييرات المبكرة التي تطرأ على المفاصل خطوة مهمة لطلب المشورة الطبية في الوقت المناسب، والحد من تأثير المرض على وظيفة المفاصل على المدى الطويل.
ومن أبرز العلامات التي تستدعي الانتباه، استمرار تيبّس المفاصل، ولا سيما التيبّس الصباحي عندما يستمر لأكثر من 30 دقيقة، أو الشعور بالتصلّب بعد فترات من قلة الحركة. وقد تظهر أيضاً أعراض أخرى، مثل تورّم المفاصل أو انتفاخها، أو الشعور بارتفاع حرارتها عند لمسها، من دون وجود إصابة واضحة.
قد يكون الألم متقطعاً في البداية، على هيئة أوجاع خفيفة في مفاصل معينة، قبل أن يصبح أكثر تكراراً أو شدة أثناء الحركة. كذلك، قد يشير تراجع نطاق حركة المفصل أو صعوبة أداء بعض الحركات اليومية الدقيقة، مثل إدارة مقبض الباب، أو إغلاق أزرار القميص، أو فرد المفصل بالكامل، إلى ضرورة الانتباه لهذه التغييرات.
عند ملاحظة بعض العلامات المبكرة، فما الإجراءات التي يمكن اتخاذها في المنزل للتخفيف من الأعراض قبل زيارة الطبيب؟
يمكن التخفيف من انزعاج المفاصل باتباع بعض الإجراءات البسيطة، بالتوازي مع تحديد موعد للتقييم الطبي. فعند الشعور بالتيبّس صباحاً، قد يساعد تطبيق كمادات دافئة أو وسادة تدفئة لمدة 15 دقيقة تقريباً. أما في حال وجود تورّم أو ارتفاع في حرارة المنطقة المحيطة بالمفصل، فيُفضّل تطبيق كمادة باردة أو ثلج ملفوف بقطعة قماش لمدة 20 دقيقة تقريباً.
ويُنصح كذلك تجنّب الثبات في وضعية واحدة لفترات طويلة، كما يمكن أن تساعد تمارين التمدد اللطيفة التي تحرّك المفصل من دون مقاومة على الحفاظ على مرونته، شرط ألا تسبب ألماً حاداً. وفي حال وجود التهاب نشط في المفصل، يُفضّل إراحته وتجنّب إجهاده، إلى جانب انتعال أحذية مبطّنة جيداً للحد من الضغط والصدمات التي تتعرض لها المفاصل أثناء ممارسة الأنشطة اليومية الضرورية.
إذا ظهرت بعض الأعراض من دون تشخيص الحالة، فهل يمكن لتغييرات نمط الحياة أن تساعد على منع تفاقمها؟
يمكن أن تُسهم التعديلات المبكرة في نمط الحياة في التعامل مع الأعراض الأولية للمفاصل، والحد من الالتهاب الجهازي، والحفاظ على القدرة على الحركة على المدى الطويل، حتى قبل تأكيد التشخيص الطبي.
وتساعد ممارسة الأنشطة البدنية بانتظام على تقوية العضلات المحيطة بالمفاصل، ما يوفر لها دعماً إضافياً ويخفف الإجهاد الميكانيكي الذي تتعرض له خلال الحركة اليومية.
كما تؤدي التغذية دوراً مهماً، إذ يساعد اتباع نظام غذائي متوازن والحدّ من السكريات والأطعمة شديدة المعالجة على دعم الصحة العامة.
كذلك، يُسهم الحفاظ على وزن صحي في تخفيف الضغط على المفاصل الحاملة للوزن، ولا سيما الركبتين والوركين، ما يقلل العبء الواقع عليها أثناء الحركة وممارسة الأنشطة اليومية المعتادة.
ما الأنواع الرئيسية لالتهاب المفاصل، وما أوجه الاختلاف بينها؟
ينشأ النوعان الأكثر شيوعاً من التهاب المفاصل عن آليتين بيولوجيتين مختلفتين إلى حد كبير، ولذلك يتطلب كل منهما نهجاً علاجياً مختلفاً.
1- الفُصال العظمي (Osteoarthritis – OA) مرض تنكّسي يصيب المفاصل ويتطور مع تدهور الغضروف والأنسجة المحيطة به، وتتداخل في حدوثه عوامل عدة، منها التقدم في العمر والإجهاد الميكانيكي. ومع تطور الحالة، يتآكل الغضروف الذي يحمي نهايات العظام تدريجياً، وغالباً ما يؤثر ذلك على المفاصل التي تتحمل وزن الجسم، مثل الركبتين والوركين، إلى جانب مفاصل اليد الأكثر استخداماً.
2- أما التهاب المفاصل الروماتويدي (Rheumatoid Arthritis – RA)، فهو مرض مناعي ذاتي يتسم بالالتهاب الجهازي، إذ يهاجم الجهاز المناعي بطانة المفاصل السليمة عن طريق الخطأ. وغالباً ما يظهر على شكل ألم وتورّم متناظرين في المفاصل المتقابلة على جانبي الجسم.
ما الفحوص التي قد يطلبها الطبيب عند الاشتباه بالإصابة بالتهاب المفاصل؟ وهل تشمل الأشعة السينية أو فحوص كثافة العظام أو قياس مستويات الكالسيوم؟
يتطلب تشخيص التهاب المفاصل تقييماً طبياً متخصصاً لتحديد طبيعة الحالة وأسبابها، إذ لا يمكن الاعتماد على الفحوص الذاتية أو القياسات المنزلية لتأكيد التشخيص.
وتُعدّ الأشعة السينية من الفحوص التصويرية الأساسية التي تساعد على الكشف عن التغييرات التي تطرأ على المفاصل، مثل تضيّق المسافة بين العظام نتيجة تآكل الغضروف وظهور النتوءات العظمية. ومع ذلك، قد لا تكشف الأشعة التقليدية عن علامات المرض في مراحله المبكرة.
ويمكن أن تساعد تحاليل الدم على تحديد طبيعة المرض والآلية المسببة له. فإلى جانب التقييم السريري، يمكن الاستعانة بفحوص محددة، مثل العامل الروماتويدي (Rheumatoid Factor – RF) والأجسام المضادة للببتيد السيتروليني الحلقي (Anti-CCP)، للمساعدة على الكشف عن التهاب المفاصل الروماتويدي ذي المنشأ المناعي الذاتي. كما تُستخدم مؤشرات الالتهاب، مثل البروتين المتفاعل ((CRP ومعدل ترسيب كريات الدم الحمراء (ESR)، لتقييم مستويات الالتهاب في الجسم.
في المقابل، تختلف وظيفة فحوص كثافة العظام وقياس مستويات الكالسيوم عن الفحوص المستخدمة لتشخيص التهاب المفاصل. إذ تُستخدم تحاليل الكالسيوم في الدم وفحوص قياس كثافة العظام بتقنية قياس امتصاص الأشعة السينية ثنائية الطاقة (DEXA) للكشف عن أمراض تتعلق بالمعادن وكثافة العظام، مثل هشاشة العظام، بدلاً من تشخيص أنواع محددة من التهاب المفاصل.
ما التمارين التي يمكن ممارستها كإجراء وقائي للحدّ من مشاكل المفاصل والحفاظ على القدرة على الحركة؟
يساعد الانتظام في ممارسة النشاط البدني واتباع روتين متوازن للحركة على حماية الغضاريف المفصلية، وتقوية العضلات المحيطة بالمفاصل، والحفاظ على الحركة الطبيعية للسائل المفصلي.
وتساعد الأنشطة الهوائية منخفضة التأثير، مثل السباحة وركوب الدراجات والتمارين على الجهاز الإهليلجي Elliptical Trainer ، على رفع معدل ضربات القلب وتحسين حركة المفاصل، من دون تعريض الركبتين والوركين لقوى صدمية مرتفعة.
وتؤدي تمارين المقاومة دوراً مهماً أيضاً في دعم استقرار المفاصل؛ إذ تساعد التمارين الموجّهة باستخدام الأربطة المطاطية الخفيفة أو وزن الجسم أو الدمبلز على تقوية العضلات المسؤولة عن تثبيتها، ما يساعد على الحد من الإجهاد الميكانيكي اليومي.
ولا تقل تمارين المرونة والتوازن أهمية عن ذلك، إذ تُسهم تمارين الحركة اليومية واليوغا والتاي تشي في الحفاظ على نطاق الحركة الوظيفي الكامل للمفاصل، إلى جانب تحسين التوازن والحد من احتمالات التعثر والسقوط، ما يقلل من خطر تعرض المفاصل للإجهاد أو الإصابة.
ما الأطعمة والعناصر الغذائية التي تساعد على دعم صحة العظام والمفاصل؟

الأسماك غنية بالفيتامين D
يساعد اتباع نظام غذائي متوازن على تزويد الجسم بالعناصر الغذائية الضرورية للحفاظ على كثافة العظام، والحد من الالتهابات المرتبطة بالمفاصل.
ويأتي الكالسيوم وفيتامين D في مقدمة هذه العناصر، نظراً إلى دورهما في دعم صحة العظام. إذ توفر منتجات الألبان وبدائل الحليب النباتية المدعّمة والخضراوات الورقية الخضراء مصادر للكالسيوم اللازم للحفاظ على قوة العظام، فيما يساعد فيتامين D، الموجود في أطعمة مثل الأسماك الدهنية والبيض، الجسم على امتصاص الكالسيوم والاستفادة منه بكفاءة.
كما يمكن أن تُسهم أحماض أوميغا 3 الدهنية، المتوافرة في السلمون والجوز وبذور الكتان، في الحدّ من الالتهابات، ما قد يساعد على تخفيف تيبّس المفاصل وحماية الغضاريف.
ويؤدي فيتامين C ومضادات الأكسدة دوراً مهماً؛ إذ تدعم الفواكه الحمضية والتوت والفلفل الحلو إنتاج الكولاجين، الذي يؤدي دوراً في تكوين الأنسجة الضامة الموجودة في المفاصل وإصلاحها.
هل يؤثر العيش في مناخات معينة على صحة العظام والمفاصل؟
قد تؤثر بعض العوامل البيئية والسلوكية المرتبطة بالمناخ المحلي، في صحة العظام والمفاصل.
على سبيل المثال تشير البيانات المتاحة إلى أن واحداً من كل خمسة مقيمين في الدولة الإمارات يعاني التهاب المفاصل، وهي نسبة تسلط الضوء على أهمية الاهتمام بصحة المفاصل.
وخلال فصل الصيف، قد يؤدي الانتقال المتكرر بين الحرارة الشديدة في الخارج وبرودة الأماكن المغلقة بفعل أجهزة التكييف إلى تغييرات مفاجئة في درجات الحرارة، قد تترافق مع الشعور بالشدّ والتيبّس في المفاصل. كما قد يلاحظ بعض الأشخاص تغيّراً في أعراض المفاصل مع التقلبات الجوية، إلا أن تأثير الرطوبة والضغط الجوي في هذه الأعراض يختلف من شخص إلى آخر.
ويُعد نقص فيتامين D من العوامل الأخرى التي تستدعي الانتباه. فعلى الرغم من سطوع الشمس على مدار العام في دولة الإمارات، يقضي كثير من السكان معظم وقتهم داخل المباني تجنباً للحرارة، ما قد يحدّ من تعرضهم لأشعة الشمس ويُسهم في نقص هذا الفيتامين. وقد يؤثر نقص فيتامين D في صحة العظام ويرفع خطر الإصابة بهشاشة العظام.
كيف يمكن للموظفين في منتصف العمر وكبار السن حماية مفاصلهم يومياً؟
يمكن لبعض العادات البسيطة خلال يوم العمل أن تساعد في الحفاظ على صحة المفاصل والحدّ من الإجهاد المتراكم.
يُنصح بتغيير وضعية الجسم كل 30 دقيقة، سواء بالتناوب بين الجلوس والوقوف أو المشي لمدة دقيقتين، بدلاً من البقاء في وضعية واحدة لفترات طويلة. ويساعد ذلك على تخفيف التيبّس والحفاظ على سهولة حركة المفاصل.
ومن المهم أيضاً الانتباه إلى طريقة حمل الأوزان وتوزيعها على الجسم. فعند حمل الحقائب الثقيلة أو أكياس التسوق أو الأدوات، يُفضّل توزيع الحمل بطريقة تقلل الضغط على مفاصل الأصابع.
كذلك، ينبغي شرب كميات كافية من الماء لدعم صحة الغضاريف المفصلية، إلى جانب الانتباه إلى وضعية الجسم أثناء العمل. وعند الجلوس إلى المكتب، يُنصح بالحفاظ على استقامة العمود الفقري بصورة طبيعية، وضبط شاشة الكمبيوتر عند مستوى العين، للحد من الإجهاد المتكرر على الرقبة والكتفين.









