في ظل ضغوط الحياة اليومية وتسارع وتيرة المسؤوليات، قد يظن البعض أن المشكلات الزوجية الكبرى تنشأ فقط نتيجة الخيانة أو تراجع مشاعر الحب، إلا أن الواقع يكشف أن السبب الأكثر شيوعاً وخطورة غالباً ما يكون غياب التواصل الحقيقي بين الزوجين. فالعلاقة الزوجية الناجحة لا تقوم فقط على العيش تحت سقف واحد أو تقاسم الأعباء والواجبات، بل ترتكز على الحوار الصادق والقدرة على التعبير عن المشاعر والاحتياجات والمخاوف بحرية واحترام. وعندما يضعف هذا التواصل العاطفي، تبدأ المسافات النفسية بالتسلل بين الشريكين، فيشعر كل منهما بأنه غير مفهوم أو غير مسموع، ما يفتح الباب أمام مشاعر الوحدة والفتور رغم وجودهما معاً.
اختصاصية علم النفس فانيسا حداد تطلعنا في المقال الآتي على بعض النصائح للتواصل العاطفي الجيد بين الزوجين.

اختصاصية علم النفس فانيسا حداد
بيروت_ ريما لمع بزيع
تستهل الاختصاصية فانيسا حداد حديثها قائلة:”في عملي كاختصاصية في العلاقات والتواصل العاطفي، ألاحظ يومياً أن الكثير من المشاكل الزوجية لا تبدأ بسبب الخيانة أو غياب الحب، بل بسبب غياب التواصل الحقيقي بين الزوجين. فالعلاقة الزوجية ليست مجرد مشاركة بيت أو مسؤوليات، بل هي مساحة آمنة يشعر فيها كل طرف بأنه مفهوم، مسموع، ومحبوب. وعندما يضعف التواصل العاطفي، يبدأ كل شخص بالشعور بالوحدة حتى وهو إلى جانب شريك حياته.
والتواصل العاطفي لا يعني فقط التحدث لساعات طويلة، بل يعني القدرة على التعبير عن المشاعر بصدق، والإصغاء للطرف الآخر دون حكم أو انتقاد. هناك أشخاص يتحدثون كثيراً لكنهم لا يتواصلون فعلياً، لأن كلماتهم تخلو من الاحتواء والتفهّم. لذلك، أول نصيحة أقدمها لأي زوجين هي: تعلّموا أن تستمعوا لبعضكم البعض بهدف الفهم، لا بهدف الرد أو الدفاع عن النفس.
في كثير من الأحيان، يتحول الحوار بين الزوجين إلى ساحة إثبات من هو على حق ومن هو المخطئ، بينما العلاقة الصحية لا تقوم على الانتصار في النقاش، بل على الحفاظ على القرب العاطفي. عندما يشعر أحد الطرفين بأنه غير مفهوم أو غير مقدَّر، يبدأ تدريجياً بالانسحاب العاطفي، وقد يظهر ذلك على شكل صمت، برود، أو حتى عصبية زائدة”.
التعبير عن الاحتياجات بطريقة مرنة

وتتابع اختصاصية علم النفس:”ومن الأمور المهمة جداً التي أركز عليها مع الأزواج هي طريقة التعبير عن الاحتياجات. كثير من الأشخاص يتوقعون من شريكهم أن (يفهم وحده) ما يزعجهم أو ما يحتاجونه، وعندما لا يحدث ذلك يشعرون بخيبة أمل. لكن الحقيقة أن الشريك ليس قارئ أفكار. لذلك من الضروري التعبير بوضوح وهدوء عن الاحتياجات العاطفية، مثل الحاجة للاهتمام، الدعم، التقدير، أو حتى قضاء وقت مشترك.
كما أن طريقة الكلام تصنع فارقاً هائلاً. فبدلاً من استخدام عبارات هجومية مثل (أنت لا تهتم بي أبداً)، يمكن القول (أشعر بالحزن عندما لا نقضي وقتاً معاً). الفرق هنا أن الجملة الثانية تعبّر عن الشعور دون اتهام، مما يفتح باب الحوار بدل خلق الدفاعية والتوتر.
ومن الأخطاء الشائعة أيضاً تجاهل التفاصيل الصغيرة. في الواقع، العلاقات لا تنهار بسبب مشكلة كبيرة واحدة فقط، بل بسبب تراكم الإهمال اليومي. كلمة لطيفة، رسالة اهتمام، نظرة حنان، أو سؤال بسيط مثل (كيف كان يومك؟) قد يعيد الدفء للعلاقة أكثر من الهدايا الكبيرة أحياناً. فالمشاعر تُبنى بالتفاصيل الصغيرة المتكررة، وليس بالمواقف الاستثنائية فقط”.
ترك الهواتف جانباً وتخصيص وقت للحوار
وتردف “كذلك، أنصح دائماً بأهمية تخصيص وقت حقيقي للحوار بعيداً عن الهواتف، الضغوط، والأطفال. بعض الأزواج يعيشون تحت سقف واحد لكن دون أي تواصل فعلي، لأن كل طرف غارق في عالمه الخاص. حتى عشرون دقيقة يومياً من الحديث الصادق قد تُحدث فارقاً كبيراً في تقوية الرابط العاطفي.
ولا يمكن الحديث عن التواصل العاطفي دون التطرق إلى الاحترام. فالاحترام في العلاقة لا يقل أهمية عن الحب، بل أحياناً يكون هو ما يحافظ على الحب نفسه. السخرية، التقليل من المشاعر، أو استخدام الكلمات الجارحة أثناء الغضب يترك آثاراً عميقة يصعب نسيانها. لذلك يجب أن نتعلم كيف نختلف بطريقة صحية دون إهانة أو تجريح.
ومن الأمور التي أعتبرها أساسية أيضاً هي فهم الاختلافات بين الشخصيات. ليس كل الأشخاص يعبّرون عن الحب بالطريقة نفسها. هناك من يعبّر بالكلام، وآخر بالأفعال، وآخر بالاهتمام أو الوقت. عندما يفهم كل طرف لغة الحب الخاصة بشريكه، يصبح التواصل أسهل وأكثر عمقاً، ويقل الشعور بعدم التقدير”.
أسباب غير متوقعة للمشاكل الزوجية
“أحياناً يكون سبب المشاكل الزوجية ليس الحاضر فقط، بل جروح قديمة أو تجارب سابقة لم تُشفَ بعد. لذلك من المهم أن يكون هناك وعي ذاتي، وأن يتحمل كل شخص مسؤولية مشاعره وردود أفعاله، بدل إسقاط كل الألم على الطرف الآخر. العلاقة الصحية ليست علاقة كاملة، بل علاقة فيها استعداد دائم للفهم، والتطور، والعمل المشترك”، وفق الاختصاصية فنيسا حداد التي تختم حديثها مشيرة الى أنها تؤمن بأن الزواج الناجح ليس ذلك الذي يخلو من المشاكل، بل الذي يعرف فيه الطرفان كيف يعودان إلى بعضهما بعد كل خلاف. التواصل العاطفي هو الجسر الذي يحمي العلاقة من البعد والفتور، وهو ما يجعل الحب يستمر رغم ضغوط الحياة وتحدياتها. وعندما يشعر الإنسان أنه محبوب ومفهوم وآمن مع شريك حياته، تصبح العلاقة مصدر راحة وقوة، لا مصدر تعب واستنزاف.









