في عالم يتسارع فيه التحوّل الرقمي بشكل لم يسبق له مثيل، باتت أصابع أطفالنا تجوب فضاءات شاسعة لا حدود لها، وعيونهم تقع على محتوى لم يكن أجدادنا يتخيّلون وجوده. الإنترنت منحنا الكثير، لكنه فتح في الوقت ذاته أبواباً كانت موصدة أمام أشكال جديدة من الخطر، أشدّها وطأةً ذلك المتعلق بالعنف الجنسي الرقمي الذي يطال شريحة الشباب والمراهقين تحديداً.
للتعرّف على طرق حماية الشباب من العنف الجنسي، كان لنا لقاء مع اختصاصية علم النفس فانيسا حداد، وعدنا بالمعلومات الآتية:

اختصاصية علم النفس فانيسا حداد
بيروت_ ريما لمع بزيع
حين تصبح الشاشة بوّابةً للخطر
لم يعد المفترس يتربّص في زوايا الأزقة المظلمة. إنه اليوم يسكن خلف صورة بروفايل مبتسمة، يتسلّل عبر تطبيقات المراسلة، ويبني جسوراً من “الثقة المزيّفة” مع ضحاياه على مدى أيام وأسابيع وأحياناً أشهر. ظاهرة الـ”Grooming” أو الاستمالة الرقمية باتت واحدة من أكثر الأساليب انتشاراً، حيث يعمد المعتدون إلى استهداف المراهقين عبر ألعاب الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي، ويستغلون رغبة الشباب الطبيعية في التواصل والقبول.
الأرقام وحدها كفيلة بصدمتنا: تُشير تقارير منظمات دولية متخصصة إلى أن طفلاً واحداً من بين كل خمسة يتلقّى رسائل جنسية غير مرغوب فيها عبر الإنترنت. أما مشاركة الصور الحميمة دون موافقة أصحابها — المعروفة بـ”الانتقام الإباحي””— فقد أصبحت وسيلة ابتزاز يعاني منها المراهقون بشكل متصاعد، وتُخلّف آثاراً نفسية بالغة قد تمتد لسنوات.
الصمت: العدوّ الأوّل
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من ضحايا العنف الجنسي الرقمي يلوذون بالصمت لا خوفاً من المعتدي وحده، بل خوفاً من الأهل أنفسهم. ثقافة “العار” التي تُحمّل الضحية المسؤولية، والحرج من الحديث عن الجسد والجنس في بيئات معينة، تجعل الطفل يشعر بالوحدة التامة في مواجهة ما يعيشه. يظل يحمل سرّه ثقيلاً، بينما يزداد المعتدي جرأةً.
هنا يكمن الدور المحوري للأسرة. ليس في المراقبة البوليسية للهاتف، ولا في حظر الإنترنت حظراً كاملاً، بل في بناء مناخ من الثقة حيث يشعر الابن أو الابنة أنه يستطيع القول: “حدث لي شيء يُزعجني”. هذه الجملة البسيطة قد تُنقذ حياة.
التربية الجنسية هي الوقاية الحقيقية

لا يزال الحديث عن التربية الجنسية في مجتمعاتنا يستدعي تحفّظات وتبريرات، بينما يلتهم أبناؤنا محتوى صريحاً دون أي إطار قيمي يُرشدهم. الحقيقة التي تؤكدها الدراسات هي أن التربية الجنسية الشاملة — تلك التي تتحدث عن الموافقة والحدود الجسدية والعلاقات الصحية — لا تُحرّض الشباب على السلوك الجنسي، بل تُحصّنهم منه.
حين يعرف الطفل حقوقه على جسده، وحين يفهم أن لا أحد — مهما كان قريباً أو محبوباً — يملك الحق في انتهاك تلك الحقوق، يصبح أقل قابلية للاستغلال. التعليم هنا ليس فاحشة، بل درع وقاية.
مسؤولية لا تقف عند حدود البيت
الحماية لا تنتهي عند حدود الأسرة. المدرسة مطالبة بإدراج مفاهيم السلامة الرقمية والتوعية من العنف الجنسي ضمن مناهجها لا كإضافات ترفيهية، بل كضرورة تربوية. والدولة مطالبة بسنّ تشريعات رادعة تُجرّم الاستغلال الرقمي للقاصرين وتُحاسب المنصات التي تُتيح المحتوى الضار. أما شركات التكنولوجيا الكبرى فتتحمّل هي أيضاً جزءاً من المسؤولية، من خلال تفعيل آليات الإبلاغ وتعزيز أدوات الحماية المخصصة للفئات العمرية الصغيرة.
كيف نتصرف حين يحدث أي تحرش أو عنف جنسي؟
إن تعرّض شاب أو فتاة لأي شكل من أشكال العنف الجنسي الرقمي، فالخطوة الأولى هي التصديق واحتواء ما يمر به. ثم التوثيق: لقطات الشاشة والرسائل أدلة لا يُستهان بها. بعد ذلك، الإبلاغ للجهات المختصة سواء عبر المنصات ذاتها أو الجهات الأمنية. والأهم: التواصل مع متخصصين في دعم ضحايا الإساءة، فالجرح النفسي يحتاج إلى معالجة بقدر ما يحتاجه الجرح الجسدي.
التحرش الجنسي: خاتمة
نحن نشكّل البيئة. فالعالم الرقمي ليس فضاءً خارجاً عن سيطرتنا كلياً. نحن نختار كيف نُربّي أطفالنا، كيف نتحدث معهم، ماذا ندرّسهم، وكيف نتعامل مع الضحية حين تجرؤ على الكلام. الحماية الحقيقية للشباب في العصر الرقمي لا تبدأ بفلتر إلكتروني، بل تبدأ بحوار صادق على طاولة العشاء العائلية.









