بيروت – ريما لمع بزيع
الحياة لا تنهار دائماً دفعة واحدة. قد يحدث ذلك أحياناً، لكن ما يحدث في الغالب هو أن التعب يتسلل إلينا شيئاً فشيئاً، ويتراكم نتيجة مشكلات يومية وضغوط نفسية وعلاقات عاطفية، أو توترات في العلاقة مع الأولاد أو الأهل. وقد تبدو هذه الأمور بسيطة في البداية، لكنها تتراكم مع الوقت، إلى أن نصل أحياناً إلى مرحلة نرغب فيها بالبكاء، لكننا نمنع أنفسنا لأننا نقول: «هذا ليس وقته»، أو «لا نريد أن نُظهر ضعفنا». وقد نعجز حتى عن الرد على الرسائل، ليس تجاهلاً لأصحابها، بل لأننا ببساطة لا نملك الطاقة الكافية لذلك.
هكذا تتراكم الأعباء في داخلنا، إلى أن نشعر بأننا أصبحنا بعيدين عن أنفسنا، وأننا نسينا احتياجاتنا ولم نعد قادرين على تحديد ما نريده حقاً. والأصعب من ذلك أن المرأة غالباً ما تعتاد أداء دور القوية التي تتحمل كل شيء، إلى درجة أنها تنسى الانتباه إلى تعبها الحقيقي. وقد تردد في داخلها عبارات مثل: «نحن قويات، ولا نستسلم». ولا شك في أن القوة مصدر فخر، لكن ليس على حساب الطاقة النفسية، أو الحق في البكاء والتعبير عن المشاعر، أو كبت ردود الفعل خوفاً من إغضاب الآخرين.
في حياتنا اليوم، لم يعد التوازن النفسي رفاهية، بل أصبح ضرورة تساعدنا على الاستمرار من دون أن نخسر أنفسنا في محاولة إرضاء الآخرين ومراعاة مشاعرهم على حساب احتياجاتنا. ولعل الأجمل أن استعادة التواصل مع الذات لا تتطلب معجزات، بل يمكن أن تبدأ بخمس خطوات بسيطة تساعدنا على الإصغاء إلى أنفسنا من جديد، وفق اختصاصية علم النفس مورغا حبوشي.

اختصاصية علم النفس مورغا حبوشي
الخطوة الأولى: التوقف عن تجاهل التعب
أولى الخطوات هي التوقف عن تجاهل التعب الذي نشعر به. فالمشكلة أن التعب النفسي لا يكون مرئياً دائماً؛ فقد يظهر في صمت طويل، أو تراجع الشغف تجاه أشخاص أو مواقف اعتدناها، أو حتى في ضحكة لم نعد قادرين على إطلاقها بعفوية.
ومن أكبر الأخطاء أن نستمر في حياتنا وكأن شيئاً لم يحدث، رغم أن النفس قد ترسل إشارات تحذيرية كثيرة قبل أن نصل إلى مرحلة الإنهاك.
اسألي نفسك بصدق: هل أنا بخير فعلاً؟ هل أشعر بالراحة؟ أم أنني أحاول فقط تسيير أموري وتمرير الأيام؟
إن الاعتراف بالتعب ليس علامة ضعف، بل هو الخطوة الأولى نحو فهم ما نمر به والبدء باستعادة توازننا النفسي.
الخطوة الثانية: التخفيف من الأعباء التي لا تقع على عاتقك
ليس من المفترض أن تتحملي كل الأعباء وحدك، كما أن قوتك لا تُقاس بقدرتك على حمل كل شيء، ولا بمدى إعجاب الآخرين بقدرتك على التحمل. فعلى العكس، قد يؤدي تحمّل المسؤوليات كلها إلى استنزاف طاقتك النفسية والجسدية.
لستِ المنقذة الوحيدة في هذه الحياة، ومن الطبيعي أن تتوزع المسؤوليات والمهام بين أفراد الأسرة والمحيطين بك. فكثير من التعب النفسي ينتج من اعتيادنا تقديم أكثر مما نستطيع، وتبرير تصرفاتنا باستمرار، والشعور بالذنب عندما نعجز عن إنجاز أمر ما، أو الصمت وتجنب المواجهة خوفاً من تضخيم المشكلات.
يبدأ التوازن النفسي عندما تتعلمين وضع حدود واضحة في علاقاتك، من دون أن تشعري بالذنب. فحماية نفسك ليست أنانية، بل ضرورة للحفاظ على صحتك النفسية وقدرتك على مواصلة حياتك بطريقة متوازنة.
الخطوة الثالثة: العودة إلى الأشياء التي تشبهك

امرأة تشعر بالراحة النفسية
قبل أن تسرقك ضغوط الحياة ومسؤوليات العمل والأولاد والشريك والأهل، وقبل أن تستنزفك الهموم والمشكلات اليومية، تذكري نفسك كما كنتِ قبل أن تتراكم هذه المسؤوليات.
ما الأشياء التي كانت تمنحك شعوراً بالحياة والسعادة؟ وما الأنشطة التي كنتِ تمارسينها لأنها تشبهك وتعبّر عنك، بعيداً عن متطلبات الآخرين؟
قد تكون الإجابة ممارسة الرياضة، أو المشي في الطبيعة، أو الرسم والتلوين، أو القراءة والاستماع إلى الموسيقى. وربما يكفيك احتساء قهوتك بهدوء، أو الجلوس في شرفة المنزل، أو قضاء بعض الوقت في مقهى تحبينه.
لا تستهيني بهذه اللحظات البسيطة؛ فإيجاد مساحة خاصة بك، بعيداً عن الضغوط والمسؤوليات، قد يساعدك على استعادة هدوئك والتواصل مع ذاتك وتجديد طاقتك.
الخطوة الرابعة: التوقف عن إجبار نفسك على التحلي بالقوة طوال الوقت
لا تجبري نفسك على أن تكوني قوية في كل الأوقات. فنحن بشر، ولدينا طاقات محدودة، ونمر بلحظات ضعف كما نمر بلحظات قوة. وهناك فرق كبير بين أن نكون أقوياء حقاً، وبين أن نتظاهر بأننا بخير ونخفي تعبنا خلف صورة القوة الدائمة.
أحياناً، يتطلب الأمر شجاعة للاعتراف بأننا بحاجة إلى استراحة، أو إلى الابتعاد قليلاً عن الضغوط، أو حتى إلى قول: «أحتاج إلى استراحة».
فالبكاء عندما نحتاج إليه، والراحة عندما نشعر بالإرهاق، والابتعاد مؤقتاً عن مصادر التوتر، ليست علامات ضعف، بل قد تكون خطوات ضرورية لاستعادة الهدوء والتوازن.
اسمحي لنفسك بأن تكوني إنسانة بكل ما تحملينه من مشاعر واحتياجات، فأنتِ إنسانة أولاً، ولستِ آلة يُفترض بها أن تتحمل كل شيء من دون أن تتأثر.
الخطوة الخامسة: إدراك أن التعافي رحلة تدريجية وليس قفزة واحدة
تذكري أن استعادة التوازن النفسي عملية تدريجية، وليست تحولاً يحدث بين ليلة وضحاها. فلا تتوقعي أن تستيقظي فجأة لتجدي أن كل ما أتعبك قد اختفى، وأنك عدتِ إلى سابق عهدك تماماً.
قد لا تشعرين اليوم بأنك أصبحتِ كما كنتِ في الماضي، وربما لن تعودي إلى النسخة نفسها من نفسك، لكن التحسن قد يظهر في تفاصيل صغيرة: أن تنامي بصورة أفضل، أو تتنفسي براحة أكبر، أو يتراجع شعورك بالتوتر والضغط النفسي، أو تتوقفي تدريجياً عن لوم نفسك على كل شيء.
كل ذلك يمكن أن يشكل مؤشراً إيجابياً على أنك تسيرين في الاتجاه الصحيح.
فالتوازن النفسي لا يعني أن تصبح حياتك خالية من المشكلات، أو أن تسير الأمور دائماً وفق ما تتمنين، بل أن تصبحي أكثر هدوءاً وقدرة على التعامل مع ما تواجهينه، حتى عندما تبدو الظروف المحيطة بك مضطربة.
ابحثي عن سلامك الداخلي، وامنحي نفسك الوقت والمساحة لاستعادته.
وفي النهاية، تبقى العلاقة الأهم التي تحتاجين إلى بنائها من جديد هي علاقتك بنفسك. فعندما تتعلمين فهم احتياجاتك واحترام مشاعرك وتقدير حدودك، تصبحين أكثر قدرة على بناء علاقات صحية ومتوازنة مع أولادك وشريك حياتك وأهلك وأصدقائك ومحيطك الاجتماعي.
عودي إلى نفسك، وتصالحِي مع روحك، وتذكري أن الاعتناء بها ليس أمراً ثانوياً، بل أساس يمكنك الانطلاق منه نحو حياة أكثر توازناً وطمأنينة.









