لا يزال موضوع التثقيف الجنسي، في مجتمعاتنا العربية، يُعتبر من المواضيع الحساسة أو المحرّمة، رغم أنه يرتبط بشكل مباشر بالصحة النفسية والجسدية والعاطفية للإنسان.
وتقول اختصاصية علم النفس فانيسا حداد لـ”ستايل”، إن غياب الوعي الصحيح حول الجسم والعلاقات يخلق الكثير من الخوف، الخجل، والمفاهيم الخاطئة التي قد تؤثر على الفرد طوال حياته، سواء في علاقته بنفسه أو بشريك حياته لاحقًا.

اختصاصية علم النفس فانيسا حداد
بيروت- ريما لمع بزيع
التثقيف الجنسي ضرورة
تستهل الاختصاصية فانيسا حديثها بأن “التثقيف الجنسي لا يعني تشجيع الانفتاح غير المسؤول كما يعتقد البعض، بل هو عملية توعية صحية ونفسية تساعد الإنسان على فهم جسده، حدوده، مشاعره، وتغيراته الطبيعية. كما أنه يعلّم الشخص كيف يبني علاقات قائمة على الاحترام، الوعي، والمسؤولية، بدل الخوف أو الجهل أو الاستغلال.
من أهم الأمور التي أؤكد عليها دائمًا هي أن معرفة الإنسان بجسده ليست أمرًا معيبًا أو خاطئًا. فالجسم ليس مصدر خجل، بل جزء أساسي من هويتنا الإنسانية. عندما يفهم الإنسان طبيعة جسده والتغييرات التي يمر بها، يصبح أكثر راحة وثقة بنفسه، وأقل عرضة للقلق أو الشعور بالذنب تجاه أمور طبيعية جدًا.
ومع الأسف، كثير من المراهقين يحصلون على معلوماتهم المتعلقة بالجنس والعلاقات من الإنترنت أو الأصدقاء، وغالبًا ما تكون هذه المعلومات مشوّهة أو غير علمية؛ وهنا تكمن الخطورة، لأن غياب المصدر الصحيح قد يؤدي إلى تكوين أفكار غير واقعية عن العلاقات، الحب، والجسد. بعض الأشخاص يدخلون علاقاتهم العاطفية وهم يحملون توقعات خاطئة أو مخاوف كبيرة، فقط لأن أحدًا لم يشرح لهم الأمور بطريقة صحية ومتوازنة.
التوعية تحمي الأطفال من التحرش

وتتابع اختصاصية علم النفس “كما أن التثقيف الجنسي يلعب دورًا مهمًا جدًا في حماية الأشخاص من التحرش والاستغلال. فالطفل أو المراهق الذي يفهم حدود جسده، ويعرف الفرق بين اللمسة الآمنة وغير الآمنة، يكون أكثر قدرة على حماية نفسه وطلب المساعدة عند الحاجة. لذلك، التوعية المناسبة ليست خطرًا على الأطفال كما يعتقد البعض، بل هي وسيلة لحمايتهم نفسيًا وجسديًا”.
أهمية التربية العاطفية الصحيحة
ومن النقاط المهمة أيضًا فهم الجانب العاطفي للعلاقات، تتابع الاختصاصية فانيسا؛ لأن العلاقات الصحية لا تقوم فقط على الانجذاب الجسدي، بل على الاحترام، الثقة، الأمان، والتواصل. كثير من الناس يخلطون بين الحب والتعلّق أو بين الاهتمام والسيطرة، وهنا تظهر أهمية التربية العاطفية إلى جانب التثقيف الجنسي. عندما يفهم الإنسان احتياجاته النفسية وحدوده الشخصية، يصبح أكثر قدرة على بناء علاقة ناضجة ومتوازنة.
وقد ألاحظ أيضًا من خلال معاينتي لعدد من الأشخاص، أن الجهل بطبيعة الجسم قد يسبب خوفًا كبيرًا وقلقًا غير مبرر، خصوصًا عند الفتيات والشباب في مرحلة المراهقة. التغييرات الهرمونية، الدورة الشهرية، الانجذاب، أو حتى التغييرات الجسدية الطبيعية قد تتحول إلى مصدر توتر إذا لم يتم شرحها بطريقة هادئة وصحيحة. بينما الوعي يساعد الشخص على التعامل مع هذه المرحلة بثقة وطمأنينة بدل الخوف والخجل.
لا للترهيب من التثقيف الجنسي
وتردف قائلة:”ومن المهم جدًا أن نفهم أن التثقيف الجنسي لا يجب أن يكون قائمًا على الترهيب أو التخويف فقط. بعض الأشخاص تربّوا على فكرة أن كل ما يتعلق بالجسد أو الجنس هو “عيب” أو “خطر”، مما خلق لديهم شعورًا بالذنب والخوف حتى داخل العلاقات الزوجية لاحقًا. لذلك، من الضروري تقديم المعلومات بطريقة متوازنة تجمع بين القيم، الوعي، والاحترام النفسي والجسدي.
كما أن فهم الإنسان لجسده يساعده على التعبير عن احتياجاته وحدوده بطريقة صحية. الشخص الواعي لنفسه يكون أكثر قدرة على قول “لا”عندما يشعر بعدم الراحة، وأكثر قدرة على التمييز بين العلاقة الصحية والعلاقة المؤذية. وهذا النوع من الوعي يحمي الصحة النفسية والعاطفية بشكل كبير.
التثقيف الجنسي يمنحك علاقة زوجية مستقرة
وفي الحياة الزوجية تحديدًا، يلعب التثقيف الجنسي دورًا أساسيًا في بناء علاقة مستقرة ومريحة للطرفين، تتابع اختصاصية علم النفس، فالكثير من المشاكل الزوجية تنشأ بسبب غياب التواصل أو نقص المعرفة حول الاحتياجات العاطفية والجسدية لكل طرف. عندما يكون هناك وعي وفهم واحترام متبادل، تصبح العلاقة أكثر قربًا وراحة وانسجامًا.
وفي النهاية، أؤمن أن التثقيف الجنسي ليس رفاهية، بل حاجة أساسية للنمو النفسي والعاطفي السليم. المعرفة الصحيحة لا تفسد الإنسان، بل تحميه وتجعله أكثر وعيًا واحترامًا لنفسه وللآخرين. وكلما تعلمنا أن نتحدث عن هذه المواضيع بوعي ونضج بعيدًا عن الخجل أو التهويل، استطعنا أن نبني جيلًا أكثر صحة، أمانًا، وتوازنًا في علاقاته وحياته.









