بيروت_ ريما لمع بزيع
لم تعد السمنة في لبنان والعالم العربي مجرد مسألة مرتبطة بالوزن أو المظهر، بل تحولت إلى تحدٍّ صحي متنامٍ يفرض نفسه على الأفراد والأنظمة الصحية على حد سواء. فمع ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، تتزايد المخاوف من انعكاساتها على الصحة العامة، ولا سيما ارتباطها بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان.
ولا تكمن المشكلة في الرقم الذي يظهر على الميزان فحسب، بل في الآثار الصحية المتراكمة التي قد ترافق السمنة مع مرور الوقت. كما أن تغير أنماط الحياة، وقلة النشاط البدني، والتحولات الغذائية، إلى جانب عوامل اجتماعية وبيئية واقتصادية وحتى نفسية، كلها تتداخل في تشكيل هذه الظاهرة المعقدة.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال يقتصر على كيف نفقد الوزن؟، بل أصبح: كيف نحدّ من مخاطر السمنة، ونصل إلى وزن صحي بطريقة آمنة ومستدامة، ونمنع المضاعفات قبل أن تبدأ؟ من هنا تبرز أهمية التوعية، والكشف المبكر، واعتماد مقاربات علاجية حديثة ومتكاملة تستند إلى الأدلة العلمية، بعيداً عن الحميات السريعة والحلول السطحية.
لقاء حول السمنة والطرق العلاجية الحديثة

وفي خطوة تعكس التزاماً متزايداً بالحد من تداعيات أحد أكبر التحديات الصحية في البلاد، كان لقاء حواري موسع تحت مظلة حملة «Live Lighter» التوعوية، سلط الضوء على الواقع المتردي لمعدلات زيادة الوزن والسمنة، وبحث السبل الكفيلة للانتقال من أطر التوعية التقليدية إلى حلول علاجية ووقائية متكاملة. وذلك في مدينة بيروت، ووسط حضور رسمي بارز وحشد من الأطباء والإعلاميين والمؤثرين المهتمين بالمجال الصحي، باستضافة من شركة نوفو نورديسك.
وقد تناول الحاضرون الأبعاد الطبية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة على المرض، وسط تأكيد على ضرورة تصحيح
المفاهيم المجتمعية الخاطئة التي تحيط به.
ويأتي هذا اللقاء الحواري بالتزامن مع توفير خيارات صحية حديثة ومبتكرة لإدارة الوزن، ما يُعد محطة بارزة لدعم الخيارات العلاجية المتاحة للأطباء والمرضى.
معدل إنتشار السمنة في لبنان الى ارتفاع
تُظهر البيانات الصادرة عن الاتحاد العالمي للسمنة (World Obesity Federation) أبعاداً نادرة لإحدى أكثر الأزمات الصحية نمواً؛ حيث تشير التقديرات لعام 2025 إلى أن معدل انتشار السمنة بين البالغين في لبنان يناهز 31.56%، ويرتفع هذا الرقم ليتجاوز 68% عند احتساب البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن، ما يعني أن نحو 2.86 مليون شخص في لبنان يعيشون تحت وطأة هذه الحالة الصحية.
أما على المستوى العالمي، يؤثر هذا الوباء المتنامي في ما يقارب مليار شخص، فرَضوا بدورهم عبئاً اقتصادياً وصحياً غير مستدام على أنظمة الرعاية الصحية بمختلف الدول.
وأجمع المشاركون في اللقاء على أن التصدي لأزمة بهذا الحجم يستدعي تكاتفاً وطنياً شاملاً، يربط بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني، لتوفير بيئة رعاية صحية متكاملة تبدأ من التشخيص المبكر والوقاية، وتصل إلى الرعاية الطبية المتخصصة والمستدامة.
التشخيص المبكر للسمنة على قدر من الأهمية
يعتبر التشخيص المبكر للسمنة الخطوة الأولى والأكثر أهمية لمنع تراكم الدهون المفرط في الجسم، قبل أن يتحول إلى مرض مزمن يؤثر على جودة الحياة وصحة الجسم.
لكن كيف يتم التشخيص المبكر للسمنة؟
يعتمد الأطباء واختصاصيو التغذية على عدة طرق لتشخيص السمنة في مراحلها المبكرة، وأبرزها:
• مؤشر كتلة الجسم (BMI): هو الأداة الأسرع والأكثر شيوعاً. يُحسب هذا المؤشر بقسمة الوزن بالكيلوغرام على مربع الطول بالمتر. إذا كانت النتيجة بين 25 و29.9، فإن الشخص يعاني من زيادة في الوزن (مرحلة ما قبل السمنة)، وإذا كانت 30 أو أكثر، يُشخص بالإصابة بالسمنة.
• قياس محيط الخصر: يُستخدم لتحديد تراكم الدهون حول البطن، وهي أخطر أنواع الدهون لأنها تحيط بالأعضاء الحيوية الداخلية.
محيط الخصر لدى الرجال:
النطاق السليم: أقل من 94 سنتمتراً.
خطورة متزايدة (سمنة بطن): بين 94 و102 سنتمتراً.
خطر مرتفع جداً: أكثر من 102 سنتمراً.
محيط الخصر لدى النساء:
النطاق السليم: أقل من 80 سنتمراً.
خطورة متزايدة: بين 80 و88 سنتمراً.
خطر مرتفع جداً: أكثر من 88 سنتمراً.
• تحليل تكوين الجسم (InBody): جهاز يقيس نسبة الدهون بدقة مقارنة بالكتلة العضلية ونسبة السوائل، وهو أدق من مؤشر كتلة الجسم وحده.
• فحوص الدم المخبرية: تساعد في الكشف عن الأسباب الهرمونية للسمنة أو مضاعفاتها المبكرة، وتشمل: فحص وظائف الغدة الدرقية (للتأكد من عدم وجود قصور يسبب زيادة الوزن)، وفحص السكر الصيامي والتراكمي (للكشف عن مقاومة الإنسولين) وتحليل الدهون والكوليسترول في الدم.
وزارة الصحة اللبنانية تبذل كافة الجهود لمحاربة السمنة
أشارت مديرة دائرة الرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة العامة اللبنانية الدكتورة رندا حمادة إلى أن الوزارة تولي حالياً اهتماماً أكبر لمرض السمنة كإحدى أولوياتها؛ إذ يتجاوز تأثيرها مجرد الوزن الزائد ليمسّ الصحة العامة للأفراد، ونوعية حياتهم، والنظام الصحي برُمته، وتضيف لهذا السبب، ينصب تركيزنا على الانتقال من مرحلة التوعية إلى العمل المنسق والمستدام، عبر الربط بين الوقاية، والتعليم، ومقدمي الرعاية الصحية، وتقديم الدعم المناسب للأشخاص الذين يتعايشون مع السمنة.
وكشفت حمادة عن لجنة وطنية أنشأتها وزارة الصحة العامة تضم الخبراء المعنيين لتوجيه هذا العمل ودعم جهد وطني منسق.
دعم إضافي لمواجهة السمنة
وفي معرض تأكيدها على أهمية التعاون، شددت سفيرة الدنمارك لدى لبنان، Mette Thygesen، على العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، وعلى وقوف الدنمارك إلى جانب لبنان وشعبه خلال جميع المراحل والتحديات التي مر بها.
ومن خلال جمع الخبرات والابتكار والتعاون، يمكننا المساعدة في مواجهة تحديات صحية مهمة، مثل السمنة والبدانة، والمساهمة في تحقيق نتائج صحية أفضل وتحسين جودة الحياة.
أما المديرة العامة لشركة نوفو نورديسك في المشرق Mais Batarseh فقالت: “تعكس هذه الخطوة التزامنا طويل الأمد بمعالجة السمنة وإدارة الوزن في لبنان. فمن خلال توفير خيار علاجي مبتكر قائم على الأدلة العلمية في السوق اللبنانية، نهدف إلى دعم الأشخاص الذين يعانون من السمنة، وكذلك العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يقدّمون لهم الإرشاد، ومن هنا ولدت مبادرة “Live Lighter”.
علاجات حديثة تساعد على خسارة الوزن
ومن المنظور السريري، أوضحت رئيسة الجمعية اللبنانية لأمراض الغدد الصم والسكري والدهنيات الدكتورة هاجر بلّوط أن السمنة ليست مجرد مسألة إرادة، إذ يمكن للعديد من العوامل البيولوجية أن تؤثر في إدارة الوزن. وتختلف رحلة كل شخص عن الآخر، ما يبرز أهمية تعزيز الوعي، وفتح حوارات صريحة مع المتخصصين في الرعاية الصحية، وتوفير دعم مخصّص لمساعدة الأشخاص على تحقيق نتائج صحية أفضل.
وتحدثت الدكتورة بلّوط عن توافر خيارات علاجية جديدة، بما في ذلك العلاجات القائمة على GLP-1 عندما تكون مناسبة، إذ يسعى المتخصصون إلى توفير أدوات إضافية لدعم الأشخاص الذين يعانون من السمنة، ولا سيما أولئك الذين يعانون من مضاعفات مرتبطة بها. وعند وصف هذه العلاجات بالشكل المناسب واستخدامها بالتزامن مع دعم نمط الحياة الصحي، يمكن أن تساهم في تحقيق انخفاض ملحوظ في الوزن وتحسينات في النتائج الصحية ذات الصلة.
دور الصيادلة في دعم وتوجيه مريض السمنة
وفي إطار توسيع نطاق هذا الدعم ليشمل مختلف مراحل رحلة المريض، وليس فقط عيادة الطبيب،
سلّط نقيب الصيادلة في لبنان، الدكتور عبد الرحمن مركباوي، الضوء على الدور المهم الذي يمكن أن يؤديه الصيادلة باعتبارهم جهة متاحة لتقديم التوجيه والدعم.
مؤكداً على أنه يمكن للصيادلة أن يؤدوا دوراً مهماً في رفع مستوى الوعي حول السمنة وإدارة الوزن، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتشجيع الأشخاص على طلب الدعم المناسب من المتخصصين. إذا لا يمكن لأي مريض يعاني من زيادة الوزن أن يتناول الأدوية الحديثة من نوع GLP-1 من دون إستشارة الطبيب ومتابعته للحالة.
السمنة وصمة عار!
مواجهة وصمة السمنة لا تعني إنكار المخاطر الصحية المرتبطة بها، بل تعني الفصل بوضوح بين الصحة وبين قيمة الإنسان وكرامته. فالشخص الذي يعاني من السمنة يستحق الاحترام نفسه، سواء كان يسعى إلى إنقاص وزنه أم لا.
لكن كيف نواجه وصمة السمنة؟
- تصحيح الفكرة الأساسية
السمنة حالة صحية معقدة تتداخل فيها عوامل بيولوجية ووراثية وسلوكية وبيئية، وليست ببساطة نتيجة “قلة إرادة” أو “الإفراط في تناول الطعام”. لذلك فإن اختزال الشخص في وزنه يزيد الوصمة ولا يساعده على تحسين صحته. - عدم تحويل الوزن إلى حكم أخلاقي
عبارات مثل “كسول”، “لا يهتم بنفسه” أو “يفتقر إلى الإرادة” لا تصف الحالة الصحية، بل تطلق أحكاماً على شخصية الإنسان. ومن الأفضل الحديث عن الوزن بلغة طبية ومحترمة، خصوصاً في العيادات ووسائل الإعلام. - وضع حدود أمام التعليقات الجارحة
يمكن للشخص أن يرد بهدوء وحزم: “أتفهم أنك قد تكون قلقاً على صحتي، لكن وزني موضوع شخصي وأنا أفضل ألا يكون موضع تعليق” أو “يمكننا أن نتحدث عن صحتي، لكنني لا أقبل أن يتحول وزني إلى مادة للحكم عليّ”.. - عدم الخلط بين التوعية والتنمر
من حقنا التحدث عن المخاطر الصحية للسمنة، لكن التوعية الصحية يجب أن تدفع نحو الدعم والعلاج والوقاية، لا نحو الإحراج أو التخويف أو تحميل الشخص مسؤولية كل ما يحدث لجسمه. - تغيير الخطاب الإعلامي
المحتوى الصحي المسؤول لا ينبغي أن يستخدم صوراً مهينة أو عناوين تسخر من الأجسام، ولا أن يقدم النحافة باعتبارها مرادفاً للنجاح والصحة. والأفضل التركيز على مؤشرات الصحة، ونمط الحياة، والوقاية، وجودة الحياة. - طلب المساعدة من المختصين
إذا كان الوزن يؤثر في الصحة، فالطبيب أو اختصاصي التغذية يمكنه وضع خطة مناسبة. أما إذا كانت المشكلة الأساسية هي نظرة الآخرين أو التنمر المستمر، فقد يكون الدعم النفسي مفيداً أيضاً.
والأهم فإن مواجهة وصمة السمنة لا تعني القول إن السمنة لا تحمل مخاطر صحية؛ بل تعني أن نتعامل مع هذه المخاطر من دون أن نحول الشخص نفسه إلى “وصمة”.









