بيروت_ ريما لمع بزيع
في اليوم العالمي للقلب، الذي يصادف اليوم 29 سبتمبر، تسلّط الدكتورة مشكاة شحاتة الضوء على عوامل خطر قد تتطور من دون أعراض، وفحوص متقدمة يمكن اللجوء إليها وفق التاريخ الصحي والعائلي لكل شخص.
قد يبدو الإنسان بصحة جيدة، ويمارس حياته اليومية بشكل طبيعي، من دون أن يشعر بأي أعراض مقلقة، بينما تكون بعض عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية قد بدأت بالتطور بصمت. من هنا، لا تقتصر الوقاية على علاج المشكلة بعد ظهورها، بل تبدأ بالتعرّف إلى عوامل الخطر وتقييمها في الوقت المناسب.
وفي اليوم العالمي للقلب الذي يُصادف اليوم في 29 سبتمبر، تلفت الدكتورة مشكاة شحاتة، الرئيسة التنفيذية للشؤون الطبية واستشارية طب الأسرة في “أوميكس بريسيجن هيلث”، إلى أهمية النظر إلى صحة القلب من منظور أوسع من قياس ضغط الدم والكوليسترول وحدهما.
وتأتي هذه الرسالة بالتزامن مع حملة هذا العام Don’t Miss a Beat” ” (لا تفوّت نبضة)، التي تركّز على مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية والعلامات التي قد لا تحظى بالانتباه الكافي.
وتبقى أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الرئيسي للوفاة عالمياً، إذ حصدت أرواح نحو 20.5 مليون شخص عام 2021، وفق الاتحاد العالمي للقلب.
عندما لا تكون الأعراض موجودة
لا تظهر جميع عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب بشكل واضح. فقد يكون ارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات الكوليسترول، ومقاومة الإنسولين، والسكري من النوع الثاني موجوداً من دون أعراض واضحة لفترة طويلة.
لكن قائمة عوامل الخطر لا تتوقف عند هذه المؤشرات. فزيادة الدهون الحشوية، ومرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي (MASLD)، وانقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، إضافة إلى بعض الأمراض الالتهابية المزمنة مثل التهاب المفاصل الروماتويدي والصدفية والذئبة، يمكن أن ترتبط بدورها بزيادة مخاطر القلب والأوعية الدموية.
ولدى النساء، قد يحمل التاريخ الصحي السابق مؤشرات مهمة أيضاً. فالإصابة بتسمم الحمل أو سكري الحمل أو انقطاع الطمث المبكر قد ترتبط بارتفاع مخاطر القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من الحياة.
كما لا يمكن إغفال عوامل نمط الحياة والبيئة، وفي مقدمتها التدخين، وقلة النشاط البدني، والتعرض طويل الأمد لتلوث الهواء.
وتوضح الدكتورة شحاتة أن الفحوص الروتينية تبقى نقطة البداية، قائلة:
“قد يشعر الناس بصحة تامة بينما تتطور عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية في الخفاء. الفحص الروتيني مهم، لكن في العيادات المتخصصة في الطب الدقيق يمكن التعمق أكثر عندما يشير التاريخ المرضي للشخص أو نتائجه الأولية إلى أن ذلك سيكون مفيداً”.
وتضيف أن الهدف ليس إجراء أكبر عدد ممكن من الفحوصات، وإنما اختيار الفحوصات التي يمكن أن تقدم معلومات ذات قيمة فعلية لكل شخص، استنادًا إلى العمر والتاريخ الطبي والعائلي والنتائج الأولية.
ما الذي يمكن أن تكشفه الفحوص المتقدمة؟
إلى جانب التحاليل التقليدية، يمكن في بعض الحالات الاستعانة بفحوص أكثر تخصصاً للحصول على صورة أوسع عن صحة القلب والأوعية الدموية.
ومن بينها تحليل صميم البروتين الشحمي B (ApoB)، الذي يعطي فكرة عن عدد الجزيئيات الحاملة للدهون المسببة لتصلب الشرايين، إضافة إلى البروتين الشحمي (a) أو Lp(a)، وهو مؤشر يتأثر بدرجة كبيرة بالعوامل الوراثية ولا يظهر ضمن تحليل الكوليسترول التقليدي.
كما يمكن قياس البروتين المتفاعل C عالي الحساسية (hs-CRP)، وهو أحد مؤشرات الالتهاب التي يمكن أن تدخل ضمن تقييم خطر أمراض القلب والأوعية الدموية لدى بعض الأشخاص.
وفي الجانب الأيضي، قد يوفر الهيموغلوبين السكري (HbA1c) وقياس الإنسولين الصائم معلومات إضافية عن التحكم بسكر الدم وحساسية الإنسولين. ويمكن أن تقدم بعض المؤشرات الأخرى، مثل الدهون الثلاثية، وال كوليسترول الضارّ HDL، وإنزيمات الكبد وحمض اليوريك، صورة أوسع عن الحالة الأيضية، بحسب السياق السريري.
من تحاليل الدم إلى تصوير الشرايين
عندما تستدعي الحالة ذلك، يمكن أن يتجاوز التقييم تحاليل الدم ليشمل فحوص تصويرية ووظيفية.
ومن الخيارات المتاحة تحديد درجة الكالسيوم في الشرايين التاجية (Coronary Artery Calcium Score)، وهو فحص يساعد على تقدير كمية الترسبات الكلسية في الشرايين التاجية.
وقد يُستخدم التصوير المقطعي للشرايين التاجية (CT Coronary Angiography) في حالات محددة للحصول على صورة أكثر تفصيلًا للشرايين وتقييم وجود اللويحات، بما فيها اللويحات غير المتكلسة.
كما يمكن استخدام الموجات فوق الصوتية للشريان السباتي لتقييم وجود اللويحات في شرايين الرقبة، فيما يوفر تخطيط صدى القلب (الإيكو) معلومات عن بنية القلب ووظيفته.
وتشير الدكتورة شحاتة إلى أن بعض الفحوص تقيس جوانب أخرى من صحة الأوعية الدموية، قائلة:
“لا نُجري الفحوصات للجميع بالطريقة نفسها تماماً، بل ننظر إلى الشخص الذي أمامنا وإلى المعلومات الإضافية التي ستكون مفيدة فعلاً”.
وتوضح أن سرعة موجة النبض يمكن أن تستخدم لتقييم تصلب الشرايين، فيما يساعد مؤشر الضغط الكاحلي العضدي (ABI) في تقييم تدفق الدم في الأطراف والكشف عن احتمال وجود مرض شرياني محيطي.
تخطيط القلب، اختبار الجهد ومراقبة الضغط

مراقبة الضغط ومستوى السكر
قد تشمل عملية التقييم، وفق حالة الشخص وأعراضه وعوامل الخطر لديه، تخطيط كهربية القلب، واختبار الجهد، ومراقبة نظم القلب.
كما يمكن استخدام جهاز مراقبة ضغط الدم المتنقل على مدار 24 ساعة، خصوصاً عندما يكون هناك اشتباه في ارتفاع ضغط الدم الذي لا يظهر بوضوح أثناء زيارة الطبيب أو يرتفع بصورة أكبر خلال الليل.
وفي حال وجود مؤشرات على انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، قد تكون دراسة النوم جزءاً من التقييم.
أما VO₂ max، فيوفر مؤشراً على اللياقة القلبية التنفسية، في حين يمكن لتحليل تكوين الجسم أن يساعد في تقدير توزيع الدهون، بما فيها الدهون الحشوية.
وقد يكون للتاريخ العائلي أهمية خاصة. فوجود أقارب من الدرجة الأولى أصيبوا بنوبة قلبية أو سكتة دماغية أو وفاة قلبية مفاجئة في عمر مبكر قد يدفع الطبيب إلى التفكير في تقييم أكثر تفصيلاً، حتى في غياب الأعراض.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يشمل التقييم الفحص الجيني للبحث عن اضطرابات وراثية معينة، مثل فرط كوليسترول الدم العائلي، أو متغيرات جينية يمكن أن تؤثر في استقلاب الدهون.
كما يمكن أن توفر الأجهزة القابلة للارتداء بعض البيانات المساعدة، مثل معدل ضربات القلب أثناء الراحة، وتقلّب معدل ضربات القلب وأنماط النوم، على أن تُفسّر هذه البيانات ضمن سياق طبي مناسب، لا بمعزل عن بقية التقييم.
اكتشاف الخطر لا يعني حتمية الإصابة
من المهم أن يكشف الفحص عن عامل خطر لا يعني بالضرورة أن الشخص سيصاب بأمراض القلب.
وتؤكد الدكتورة شحاتة أن قيمة هذه المعلومات تكمن في إمكانية استخدامها لاتخاذ خطوات وقائية مبكرة، قائلة:
“إن اكتشاف عامل خطر لا يعني أن الشخص سيصاب حتماً بأمراض القلب والأوعية الدموية، بل يمنحنا معلومات يمكننا التصرف بناءً عليها. سيحتاج بعض الأشخاص إلى أدوية، لكن نمط الحياة يظل الأساس”.
وتشمل الركائز الأساسية للوقاية النظام الغذائي الصحي، والنشاط البدني المنتظم، والنوم الجيد، والحفاظ على وزن صحي، والامتناع عن التدخين، وإدارة التوتر.
وتوصي الدكتورة شحاتة بنمط غذائي قريب من حمية البحر الأبيض المتوسط، يرتكز على الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسرات والبذور، مع استخدام زيت الزيتون كمصدر رئيسي للدهون، وتفضيل الأسماك والدواجن على اللحوم الحمراء والمصنّعة.
أما الأشخاص المصابون بارتفاع ضغط الدم، فقد يكون نظام DASH الغذائي أحد الأنماط الغذائية التي يمكن مناقشتها مع الطبيب أو اختصاصي التغذية للمساعدة في ضبط ضغط الدم.
الرياضة ليست نوعاً واحداً
وتشير الدكتورة شحاتة إلى أن النشاط البدني المفيد لصحة القلب لا يقتصر على تمارين الكارديو، بل يمكن أن يجمع بين اللياقة الهوائية، وتمارين القوة، والمرونة، والحركة والتوازن.
وبشكل عام، توصي منظمة الصحة العالمية البالغين بممارسة 150 إلى 300 دقيقة من النشاط البدني الهوائي متوسط الشدة أسبوعياً، أو ما يعادلها من النشاط الأعلى شدة، إلى جانب تمارين تقوية العضلات يومين أو أكثر أسبوعياً.
أما الأشخاص الذين لديهم مرض قلبي معروف أو أعراض مرتبطة بالقلب أو الأوعية الدموية، فمن المهم أن يناقشوا طبيبهم قبل البدء ببرنامج رياضي جديد أو زيادة شدته.
التوتر والنوم.. عاملان لا ينبغي تجاهلهما
قد تحظى التغذية والرياضة والوزن باهتمام كبير عند الحديث عن الوقاية من أمراض القلب، لكن التوتر المزمن وجودة النوم يستحقان الاهتمام أيضاً. وتقول الدكتورة شحاتة: “قد يحرص الناس على ما يأكلونه ويخصصون وقتاً لممارسة الرياضة، لكنهم لا يفكرون دائماً في ما يفعله التوتر المستمر بصحتهم. فالتوتر قد يؤثر في صحة القلب والأوعية الدموية، ولذلك يجب أن تكون إدارته جزءاً من الوقاية أيضاً”.
ولا تقل أهمية النوم؛ فعدد الساعات التي يقضيها الشخص في السرير لا يعكس بالضرورة جودة نومه. فالاستيقاظ المتكرر أو اضطرابات التنفس أثناء النوم قد تجعل النوم أقل ترميماً، حتى لو بدا عدد الساعات كافياً.
القلب لا يعيش بمعزل عن العلاقات
وفي خضم التركيز على التحاليل والصور الطبية، تلفت الدكتورة شحاتة الانتباه إلى جانب آخر من الصحة قد لا يحظى بالاهتمام الكافي: العلاقات الاجتماعية والإنسانية.
وتستشهد بدراسة هارفارد لتطور البالغين (Harvard Study of Adult Development)، وهي دراسة طويلة الأمد تابعت مجموعات من المشاركين وعلاقاتهم وصحتهم عبر عقود، والتي ارتبطت نتائجها بأهمية جودة العلاقات الاجتماعية في الصحة والرفاه مع التقدم في العمر.
وتختصر الدكتورة شحاتة هذه الفكرة بالقول:
“قد تستغرقنا الفحوص والتدخلات العلاجية، لكن ما يُصلح القلب يُصلح الروح أيضاً. فالشبكة الاجتماعية الطيبة والعلاقات الأسرية الصحية أمر مهم، وأظن أننا ننسى ذلك أحياناً حين نتحدث عن الصحة”.
وهكذا، فإن الوقاية من أمراض القلب لا تبدأ بالضرورة عند ظهور الألم أو ضيق التنفس أو أي عارض واضح، بل يمكن أن تبدأ في وقت أبكر بكثير.. وبمعرفة عوامل الخطر، وفهم التاريخ الصحي والعائلي، وإجراء الفحوص المناسبة عند الحاجة، إلى جانب بناء نمط حياة صحي نؤمّن الحماية للقلب على المدى الطويل.









